جدير بالمشاهدة

القلعة ، امرأة في السلطة.. عالم السياسة واقعيا وبدون اسفاف

14.12.2018 | 19:35

مراجعة عبد الكريم انيس 

إذا كنت تبحث عن مسلسل يعطيك دروساً غير مختلقة في عالم السياسة بشكل واقعي وبدون إسفاف درامي ومبالغات لا عمل لها سوى إطالة مدة العرض فعليك بمشاهدة المسلسل الدانماركي "القلعة، امرأة في السلطة" "Borgen -Une femme au pouvoir" بعدها بالإمكان أن تسقط أفكاراً مسبقة رُسمت في مخيلتك عن عالم بالغ النقاء والاحترام في الدول الديمقراطية، يصل فيه الأشخاص الأكثر صدقاً والأكثر مشروعية لقيادة الحراك السياسي في البلاد، ويقومون بحماية مصالحه حسب المُثل والقيم التي تتصدر عناوين شعاراتهم التي يرفعونها في الانتخابات.

وبعد مشاهدتك المسلسل بمواسمه الثلاثة (30 حلقة)، ربما ستغير كثيراً من المفاهيم حول حقيقة السياسيين الذين ترى ابتساماتهم ووعودهم تتصدر المشهد كلما حلت مواعيد الانتخابات الدورية.



قبل الغوص في مسلسل القلعة لابد أن نفهم شيئاً عن الدولة الاسكندنافية  Kongeriget Danmark حتى نستوعب كيف تتم صناعة الأحداث وتتصاعد بنية العمل الدرامي ضمن المسلسل:

يحكم الدنمارك نظام ملكي دستوري برلماني، فللدنمارك حكومة على مستوى الدولة، وحكومات محلية في 98 بلدية.

هي عضو في الاتحاد الأوروبي منذ عام 1973 ولم تنضم إلى منطقة اليورو.

الدنمارك عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

الدنمارك أيضاً عضو في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

تعد الغالبية العظمى من سكان الدانمارك، حوالي (86.9%) من أصول دانماركية حسب استطلاع عام 2016، ويصل تعداد السكان المهاجرين فيها لـ(13.1%) من أصول اسكندنافية من دول الجوار وآخرين من دول غلبت عليها النزاعات والحروب. المصدر من هنا.

شخصيات طبيعية

الشخصيات في المسلسل غير مصبوغة بالمكياج الدرامي الصارخ الذي اعتدنا رؤيته في المسلسلات الأمريكية، بل هي شخصيات أقل تعقيداً وأقرب للفهم وغير متأثرة بالمبالغات التي تضفيها السياسة الأميركية المسيطرة على العالم الخارجي، والتي تحاول جاهدة أن تهيمن في زمن العولمة على الدراما.


 كنت على وشك الكتابة عن مسلسل أميركي ذائع الصيت هو مسلسل ‘House Of Cards’ "منزل الأوراق" ولكنني تراجعت وقررت الكتابة عن هذا المسلسل الدانماركي الذي أعتقد أنه أكثر واقعية من عالم فرانك أندروود الذي مثله المتميز والرائع كيفين سبايسي، الذي أدى شخصية الرئيس الأميركي الفاسد والميكافيلي البراجماتي الحاكم للبيت الأبيض والعالم بناء على توازنات شديدة التعقيد.

وأعتقد أن المسلسل الدانماركي الذي تم إنتاجه عام 2010 سابقاً المسلسل الأميركي بثلاث سنوات كان أساساً لصناعة سلسلة House Of Cards’ اللاحقة بالنكهة الأميركية الاستعراضية اللاذعة، وأعتقد أن لكاتب مسلسل القلعة Adam Price، بالمشاركة مع كل من Jeppe Gjervig Gram ،Tobias Lindholm  الذي حاز عدداً من الجوائز على ثلاثيته التلفزيونية ضمن الدراما الأوروبية تأثيراً ما على صناعة مسلسل بيت الأوراق بطريقة أو بأخرى.  

وفي الحقيقة ورغم انبهاري الشديد بشخصية كيفين سبايسي Kevin Spacey  ومواهبه التمثيلية وخصوصاً أداءه لشخصية فرانك أندرورود  Francis J. Underwood، لكني أميل للشخصية الواقعية لبيرغييت Birgitte Nyborg رئيسة الوزراء الدانماركية المنتخبة وصراعها على الأصعدة الشخصية العائلية والحزبية والاعلامية، والتي جسدتها  بكل واقعية ممكنة Sidse Babett Knudsen.

سياسة متصنعة

يتحدث المسلسل عن الحياة السياسية التي تؤمن بالديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة في أحد الدول الأوروبية الاسكندنافية وهي الدانمارك، وما يدور في أروقة مبنى القلعة الحكومي، الذي يعد مركزاً لرئيس الوزراء الدانماركي، الذي يشغل منصبه مرشح الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية بين الأحزاب السياسية، ويمكن ملاحظة كل أشكال الاستقطابات والتجاذبات والتنافر والتحالفات المؤقتة والدائمة بين عوالم مختلفة أو متوافقة متشابكة ومتصارعة فيما بينها بطريقة الاصطفاء الطبيعي، حتى يصل للسلطة الأكثر قدرة على تبني البراغماتية والمرونة والشعبوية كذلك.  



يبدأ المسلسل بعبارات مقتبسة غالباً لأشخاص مشهورين بعالم السياسة من مثيل مقتبسات عن كتاب ميكافيلي "الأمير" تعبر عن مضمون الحلقة. هناك العديد جداً من المحاور في المسلسل من أهمها حيز الحياة الشخصية للعاملين بالسياسة، خصوصاً إذا كانت الشخصية السياسية أنثى، فهي هنا تأخذ بعداً مضاعفاً لازدواجية مسؤوليتها بين الأسرة والوظيفة، ونستطيع القول تلخيصاً إن الحياة السياسية تلتهم وبطريقة مفجعة الحياة الشخصية لمن يمارس السياسة مهما حاول جهده التوفيق بين العالمين، يقول المسلسل بصيغته النهائية إنك لا تستطيع أن توفق بين هذين العالمين، إلا بنسبية قد لا تكون مرضية أبداً، فحسب الشفافية المتبعة ضمن الحياة السياسية الدانماركية سنجد أنها تؤثر لاحقاً على حياة الزوج، الأستاذ الجامعي، الذي بدا في بداية الأحداث أنه ايجابي للغاية تجاه فوز زوجته ومساند لها لتحقيق حلمها بالوصول لسدة رئاسة الوزراء كأول سيدة تصل لهذا المنصب، بل وكان متفهماً للكثير من تعقيدات المشهد الذي يتضمن المكائد السياسية والدعايات السياسية القذرة التي تروج لتلويث سمعة زوجته التي يثق فيها كثيراً، ولكن حين يتم منعه كأي شخص آخر من تحقيق أرباح لشركة هو مساهم فيها بأسهم وتصادف أن زوجته قد وقعت أحد وزاراتها عن البيئة عقداً مع دولة، ما سيرفع من سعر أسهمها في وقت لاحق، يسمى هذا تربحاً غير مشروع بفعل نفوذ السلطة في عرف الشفافية المالية، فطلبت منه بيع الأسهم بدون انتظار الأرباح القادمة، وفي موقف لاحق منع عنه الحصول على وظيفة لائقة كان يحلم بها بمقتضى عدم التعارض مع مكانة زوجته السياسية فهذا ولد شرخاً لا يمكن جبره بسهولة ودفع بالزوج أن يكون ضحية المنصب السياسي لزوجته.



تقف هنا بيرغيت السياسية على أعتاب مفترق مهم بين المتابعة لتحقيق أحلامها الشخصية - وهو ما اختارته - أو تغليب مصلحة العائلة والأسرة، التي ستتأثر تأثراً بالغاً في مرحلة تالية على اثر طلاقها من زوجها، وستهتز الحياة النفسية لابنة بيرغيت الكبرى، وسيؤثر التدخل الاعلامي الوقح بحياة الفتاة الخاصة كثيراً، خصوصاً وأنه حدث نتيجة عملية ابتزاز سياسية مكشوفة، وسيترتب على هذا انهيار بالصحة النفسية للفتاة المراهقة، ولم تستطع بيرغيت فيما بعد بالاستمرار بحيلة مكنتها من البقاء مع ابنتها لفترة من الزمن عبر ايلاء المسؤولية لنائبها لأن هذا الالتفاف كاد أن يطيح بمنصبها في خضم التجاذبات التي لا تتوقف في القلعة.

عالم يصعب فيه توافر القيم والاستقامة

في محور مواز سنشاهد في الحلقات الأولى تداعيات مرحلة ما بعد نتائج الانتخابات، وسنجد أن عالم السياسة هنا ليس عالماً للقيم والمبادئ بقدر ما هو عالم لإدارة المتناقضات وصياغة تناغمات معينة تخدم الأطراف، وسندخل حرب تقاسم غنيمة السلطة ضمن حيل يمارسها السياسيون الذين احترفوا العمل السياسي، وباتت لديهم خبرة في صياغة التحالفات واستثمار الفجوات بين المواقف المعلنة وعالم الحقيقة، في بيئة لا يمكن تمييز الصديق أو الحليف فيها حتى انقشاع غبار تقاسم المناصب، بناء على قراءات قد تكون مجرد مقامرات غير محسوبة النتائج تتبدى في مراحل تالية.  



فعلى صعيد المجموعات المتشابهة ايديولوجياً أو ذات المبادئ الواحدة لا يمكن الركون لهذا التصنيف ضمن مرحلة تقسيم السلطة؛ لأن الغالب في هذه المرحلة هو المكاسب مهما حاول الفرقاء الادعاء بعكس ذلك، فبالإمكان أن يتحالف فريق مع نقيضه كي يقوم بتقويض غريمه بالمنصب أو إفشاله وتقزيم مشروعه مهما كان مفيداً وقيمياً. ويمكن ملاحظة الكثير من المكائد التي تحدث ضمن المسلسل يدبرها أشخاص من الحزب الواحد كي يتم التخلص من منافس ما، ويحدث هذا بطريقة قذرة، إذ يكفي أن تمرر معلومة، جنسية أو هواية ما، يتم الاحتفاظ فيها لحين الحاجة، ومن ثم تمرر للصحافة الصفراء التي تتكفل بإثارة الرأي العام الذي يضع السياسي في مواقف أكبر بكثير من قدرته على التحمل، فينتحر أو يعتزل عالم السياسة.

الإعلام والسياسة

من المحاور المهمة في المسلسل الإعلام، فالإعلام الحر يبدو أنه مجرد شعارات يتمسك بها بعض الأشخاص، حين يقفون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، ولكن في المسلسل سنجد أن هناك الكثير من التدخل ضمن إدارة هذا الشأن الحيوي، فهناك العلاقات الشخصية التي تلعب دوراً كبيراً في وضع قضايا كبيرة ونشرها تحقيقاً لمصالح ضيقة، وسنجد الكثير من الإشارات التي تدلل على أن مذيعة محددة أتيح لها فرص حصرية لمقابلة شخصية كبيرة لأنها على علاقة جنسية بمستشار إعلامي نافذ ضمن الحكومة، وهذا سيدلل على أن الفرص غير متكافئة بين الإعلاميين، وهو ما يؤثر على شهرة أشخاص دون آخرين، حتى في بيئات تعتمد الحريات العامة.



ضمن الحقل الإعلامي سنشاهد كيف بالإمكان لعالم السياسة أن يكون لئيماً وحقوداً عندما يخسر جولة من الجولات السياسية فينقلب ليأخذ مكاناً في الصحافة الفضائحية التي تقود الرأي العام وتشكل خلفية ضغط يمولها الاقتصاديون الكبار كي يتمكنوا عبرها من تدبر وسائل غير رسمية لإلغاء قرارات يتخذها السياسيون ولا تكون في صالحهم.

شارك في المسلسل كل من Pilou Asbæk Birgitte Hjort Sørensen، Emil Poulsen، Freja Riemann، Søren Malling، Thomas Levin، Benedikte Hansen، Lars Mikkelsen، Waleed Elgadi، وآخرون.

قام بإخراج الحلقات كل من:

Series Directed by

Louise Friedberg              ...            (6 episodes, 2011-2013)

Jesper W. Nielsen            ...            (6 episodes, 2011-2013)

Mikkel Nørgaard              ...            (4 episodes, 2010-2011)

Annette K. Olesen           ...            (4 episodes, 2010)


TAG: