المضحك المبكي

مذكرات فارس خوري بخط يده في "المضحك المبكي" ..اصله .. والده وجده .. دينه ومذهبه ..؟

30.01.2019 | 18:10

تقديم 

يعيدنا هذا العدد من جريدة المضحك المبكي، إلى شخصية سياسية وقانونية عظيمة، كان لها دوراً بارزاً للعمل في استقلال وتطور سوريا في العديد من الجوانب، ولعل هذا المقال الذي سنقوم بعرضه، قد عرضَ نشأة وجزأ من تاريخ فارس الخوري، ولكنه لم يشاركنا (النكات) التي كان يلقيها ذاك السياسي خفيف الظل، الذي كان لقصصه وطرائفه، حيزاً هاماً إلى جانب دوره السياسي والقانوني.

ونعود إلى جلسات مجلس الأمن، التي أعلن من خلالها استقلال سوريا استقلالاً تاماً عن فرنسا، على ذلك الكرسي الذي يجلس عليه مندوب سوريا، كان فارس الخوري جالساً، خلال مناقشة قضية استقلال سورية في مجلس الأمن ، أظهر الانجليز معارضة شديدة وقالوا بوجوب بقائهم فيها حتى لايقتتل السوريين بعضهم بعضاً بعد خروج الفرنسيين، وكان الفرنسيين أيضاً يقولون بوجوب بقائهم وحجتهم أنهم إذا تركوا سورية فإنها سوف لاتنتفع من جلائهم عنها لأن الانجليز سيحتلون مكانهم وهم لا يطيقون أن يروا الإنجليز يحتلون مكان الفرنسيين !

فما كان من فارس الخوري إلا أن قال لهم : إن موقفكم هذا يشبه تلك الحكاية، وهي أن رجلاً شاهد كومة من الحجارة وقد ارتكز عليها فانوس أحمر، فسأل لماذا هذه الحجارة، قالوا له، حتى نركز الفانوس عليها، فسأل ولماذا هذا الفانوس ؟ فأجابوه لكي يرى المارة الحجارة فلا يتعثرون بها ...!!" وضحك أعضاء مجلس الأمن لهذه النكتة.

 وهناك العديد من المواقف المشهودة لأعضاء لفارس الخوري، بتلك الجلسة والتي لا مجال لذكرها هنا.

ونترككم الآن، مع أوراق فارس الخوري، التي نشرتها جريدة المضحك المبكي بعددها رقم 1003/ 7 تشرين الاول 1962.


أوراق من مذكرات فارس الخوري

فارس الخوري ينسب نفسه ويتكلم عن أجداده

جده الأول كان يونانيا وقد تحطمت سفينته على شواطئ صيدا

إذا كانت قيمة المذكرات السياسية تقاس بقيمة أصحابها فإن مذكرات المغفور له استاذنا الكبير فارس الخوري تعد اثمن مذكرات قد تنشر في البلاد العربية. فقد كان رحم الله من واضعي أسس مملكة فيصل وواضعي أسس الجامعة العربية ومن واضعي أسس منظم الأمم في سان فرانسيسكو وعارك السياسة في شتى ميادينها.

هذا وكان رحمه الله يكتب مذكراته بصورة متقطعة، وقد دفع بها قبل وفاته الى حفيدته (كوليت) لتنظمها وتنسقها، وها انها تنشرها اليوم على صحات هذه المجلة وهي كلها بخط يده وفيها من من حكمة السياسة وطريف الادب وجمال النكتة مما يحمل القارئ على متابعتها حرفا بحرف وهذه مقدمتها:

كتب هذا عن نفسه:

فارس بن يعقوب بن جبور بن يعقوب بن إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الخوري جرجس أبو رزق.

وقد اخبرني جدي أن الخوري جرجس هذا نزل الكفير مع أخيه عبد الله أبو رزق وهما من سكان قرية عين حليا من اعمال الزبداني وقد خربت قريتهما بسبب فتنة قامت بين أهلها منذ نحو 300 سنة أي حوالي سنة 1600 ب-م ورحل معهما جماعة من اهل تلك القرية الى قرية الكفير في وادي التيم منهم جد عائلة أبو جمرة وخلف والحاج وغيرها وكانوا جميعا من اهل الصناعة يشتغلون بالنسيج والحياكة، فنقلوا ثنعتهم معهم وفتحوا الانوال وغزلوا القطن والصوف وصنعوا منها الاقمشة المختلفة يبيعونها في القرى المجاورة ويحملونها الى ناحية صفد وساحل عكا وجبل نابلس، وبقيت هذه تجارتهم ومرتزقهم الى اخر القرن التاسع عشر.



واخبرني الأستاذ النسابة عيسى إسكندر المعلوف انه دون في تاريخه (الاسر الشرقية) ان اصل عائلتنا من رجل يوناني جاء بتجارة الى سورية في القرن السادس عشر فانكسر مركبه على شاطئ صيدا فاخرج بضاعته الى البر وباعها ببضعة آلاف دينار واحب الإقامة في بلاد الشام فنزل الكفير وانشأ فيها صناعة الغزل والنسج وبنى كنيستها وأقام ابنه جورجي كاهنا فيها وكان من هذا الكاهن سلسلة النسب المدرجة أعلاه.

ولست ادري من اين اهتدى الأستاذ لهذه الرواية وانما قال لي انه اخذها من المرحوم وديع أبو رزق نزيل بيروت بخير انني اشك في صحتها كما اشك بصحة اكثر الانساب التي كتبها الأستاذ النسابة الموما اليه..!

كان جدي تقيا عاقلا اقتنى الكتب الطبية القديمة ودرس منها شيئا كثيرا وكان يطيب المرضى مجانا لوجه الله نعالى ويعطيهم العقاقير والأدوية التي يستحضرها بنفسه، ويجري لهم عمليات جراحية لا يستهان بها وقد ادركته وهو يقوم بهذه الخدم المبرورة بدون اجر وكنت أرى في طفولتي بيته كانه مستشفى تحمل اليه المرضى من قرى البفاع وإقليم البلان ووادي التيم، فيطعمهم ويعالجهم بما عنده من العلم. وقد رايته يشق الأعضاء الملتهبة ويبترها بمبضعه ويصب الزيت الغالي في الجروح ليطهرها.

كان له ولع خاص بمطالعة الكتب فاهتدى من نفسه الى مذهب جديد في النصرانية خرج فيه على التقاليد الكنسية وتمرد عبى الاكليرس في زمانه وتبين له فيما بعد ان مذهبه منطبق على المذهب البروتستانتي فرحل الى بيروت عندما بلغه انه وصل اليها مبشرون من الافرنج يدعون الى مذهب جديد، فاجتمع فيها بالقس اسحق يونسكين وعالي سميث وهما اول مبشرين الانجيليين، واطلعهما على ارائه الدينية فسرا به وارشداه الى مذهبهما واعطياه نسخة من الكتاب المقدس المطبوع في مالطة بالعربية ورسائل جدلية أخرى فحملها وعاد الى الكفير وقد ازداد رسوخا في عقيدته واعلن انشقاقه عن المذهب الأرثوذكسي واعتناقه المذهب البروتستانتي وشاركه في هذا الانشقاق اخوه ميخائيل الملقب أبو سمرة الخوري.

وقد رايت في مكتبة الجامعة الأميركية مجلدات مجلة المرسلين القديمة وفيها ان جدي هذا اقدم بروتستانت في سوريا مع بيان ما لاقاه من الاضطهاد والمقاومة من رجال الدين واهل وطنه الأرثوذكس.

كان اعتناق جدي للمذهب الجديد حوالي سنة 1830 أي قبل ولادة ابي بنحو 15 سنة وكان صديقا للمرحوم ميخائيل مشاقة اتصل به عندما كان هذا كاتبا للامير سعد الدين الشهابي في حاصبيا وقد اقطعه الأمير مزرعة في الحولة اسمها الخريبة باعها ورثته بعد موته.

وقد مكنت هذه المعاشرة العقيدة البروتستانتية في نفس جدي وزادته ثباتا ومتانة امام أنواع الاضطهاد التي كان يصبها عليه مطران حاصبيا وجماعة الأرثوذكس في وادي التيم، على انه لم يعدم نصيرا يد ازره في هذا الضيق فان صديقه المرحوم حمد نوفل شيخ الدروز في اقليمه حفظ له عهد الاخوة المعقود بينهما وكان يمده بالراسي والباس الشديد عند الحاجة.زار جدي المرحوم اسعد الشدياق شقيق احمد فارس الشدياق في محبسه في جوار الحدث بقرب بيروت حيث كان البطرك الماروني غله بالقيود وزجه في كهف ضيق عقابا على أفكاره الدينية وتمرد على تقاليد الكنيسة المارونية وكانت فيها بعض الكتب التي طبعها المرسلون الاميركان للشدياق وكتب مشاقة في المجادلات الدينية وامثالها من المؤلفات قنينة الغالية وعلقه الثمين، قلما يمر يوم لا يطالع فيها ويتلذذ بما حوته من عقائده المستحبة.

اشترك جدي بحروب إبراهيم باشا المصري وكان جنديا باسلا في الجيش الذي جنده الأمير بشير بقيادة ابنه الأمير خليل لمعاونة إبراهيم. ثم انقلبوا عليه عندما هم بالرحيل عن سوريا ولحقوا فلوله يقتلونهم ويسلبونهم الى حدود سينا.

وكان عندنا بقية من الأسلحة الابراهيمية ذات الزناد والصوان ادركتها في بيتنا وكان لي نصيب منها في عهد الصبا.

توفي جدي سنة 1901 كان له من العمر مئة سنة او تزيد لان ولادته كانت سنة حرب نابليون في عكا سنة 1800 فقد ادرك ثلاثة قرون ولد في آخر القرن الثامن عشر وعاش القرن التاسع عشر كله ودخل في القرن العشرين.

وكان في شبابه ينظم المعنى وهو الشعر العامي المعروف في ذلك الزمان وقد ذكر شيئا من أقواله احفظ منها شذرة قال فيها:

سنة سبعة وأربعين صاير سفر ..  في ارض عكا حطط محمد علي

سنة سبعة وأربعين صاير سفر .. العسكر المنصور عا عكا عبر..

لعلع البارود والمدفع هدر .. والأرض صارت متل ساعة زلزلي

وهي طويلة يصف فيها فتح عكا. وما جرى حينذاك من الاهوال بين إبراهيم باشا وعبد الله باشا.

اما والدي فقد ولد حوالي سنة 1845 وكان قوي البنية مفتول العضل، معتدل القامة، ذا عقل راجح وتهذيب جم، لاهم له الا العمل وتربية أولاده، وقد توفي سنة 1894 في 8 تشرين الثاني تاركا ثمانية أولاد، خمسة ذكور وثلاث اناث اصغرهم اخي فائز الذي كان في الثانية من عمره، ولد في 10 حزيران سنة 1893.

وقد تزوج والدي نحو السنة 1870 بالسيدة حامدة بنت بطرس عقيل الفاخوري الذي قتل في فتنة الدروز سنة 1860.

وعاشت بعد والدي احدى عشرة سنة فماتت في دمشق في 6 آذار سنة 1906 وبنيت لها ضريحا في تربة البروتستانت بالشام وقد صلى عليها القس مكفار لاند وابنها انيس سلوم الخطب الشهير ومشى في جنازتها اكابر دمشق.

اعداد : سيريانيوز
 


صدرت مجلة المضحك المبكي في دمشق عام 1929، وهي مجلة سياسية كاريكاتورية اسبوعية من اشهر المطبوعات السياسية الساخرة في الوطن العربي ، ويمكن اعتبارها هي من اسس الكوميديا السياسيّة على الساحة السورية ( وربما العربية). اصدرها الصحفي حبيب كحالة ( 1898 – 1965 ) وهو درس التجارة والاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت. أنشئ كحالة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي مطبعة حديثة بدمشق لطباعة المجلة، وكانت تقع في شارع الملك فؤاد الأول، استمرت هذه المجلة في الصدور إلى عام 1965 ، وقامت "الجهات المعنية" بإغلاق المجلة وإلغاء ترخيصها وذلك عام 1966


TAG: