جدير بالمشاهدة

سارق الدراجة .. لحظة واحدة فقط تحول المجني عليه الى جانٍ؟

30.09.2018 | 18:44

مراجعة : عبد الكريم انيس

يتجاوز فيلم سارق الدراجة المصور بالأبيض والأسود الفترة الزمنية التي تم عرضه وتصويره فيها عام 1948، فقد تم إعلان ولادته على الشاشة الفضية بعد مرحلة كارثية مرّ بها العالم هي الحرب العالمية الثانية ، لكنه سيظل دوماً صالحاً للعرض والاستمتاع بالأفكار البسيطة التي حاول عرضها.

حالة إنسانية

يصور الفيلم حالة إنسانية في لحظات ضعف اعترت بطل الفيلم حولته من ضحية بريئة مسالمة، تحاول وسعها النجاة من الظروف القاهرة مع عائلته الصغيرة، لسارق ذليل بفعل القهر والعوز. تزامن هذا مع تحولات كبيرة في العالم الخارجي كان لها تداعيات خطيرة على الأفراد والمجتمعات التي عصفت فيها.

يظهر للمشاهد أن الفكرة الأساسية التي تم التشديد عليها هي أن الشخصيات الرئيسية حاولت وسعها أن تحافظ على أمن عائلتها  الآخذ بالتدهور والحالم ببعض الاستقرار بعد مرور فترة طويلة من البؤس والشقاء والفاقة الناتج عن البطالة التي تسببت بها الحرب، هذه العوارض كانت عوارض جمعية أصابت ملايينَ من الناس في ذلك الوقت العصيب الذي فقد فيه عشرات الملايين من البشر حياتهم، وتسببت بكوارث اقتصادية وإنسانية فكرية وأخلاقية فاقت قدرة الإنسان على التحمل.

حرب قاتلة

تنتشر الفوضى ويعم الكساد ويشيع الفساد حين تدخل البلاد حرباً محدودة، فكيف إذا كانت تلك الحرب حرباً عالمية، لا خيار في المشاركة فيها، هذا يدفع المجتمعات للانكماش والتقوقع، وتخضع الأوضاع الداخلية للمشيئة العسكرية ويغيب العقل المدني عن إدارة الوضع الكارثي، وبالتالي تظهر العيوب الاجتماعية بشكل لافت للانتباه، ويغيب التعاضد والأمن مع غياب وجود بوادر بانفراج قادم في الأفق، ويعتمد الأفراد على حظهم العشوائي أو على فتات يقتاتون عليه تقدمه لهم الجهات الدينية الخيرية حتى انتهاء فترة المحنة بأقل الخسائر الممكنة.

في الفيلم سنشاهد Maria السيدة الفاضلة والزوجة المحبة والمضحية التي تفعل كل ما بوسعها كي تحافظ على زوجها، وتقرر أن تبيع جهاز عرسها كي يسترجع زوجها دراجته التي اضطر لرهنها ليطعم عائلته، والتي بدونها لن يحصل على فرصة ذهبية لا تتكرر في أوقات الكساد بالحصول على عمل مستقر ولائق قدر الإمكان. أدت دورها الممثلة Linella Carell.

بدايات

أثناء بحث بطل الفيلم Antonio والذي يؤدي دوره الممثل Lamberto Maggiorani  عن من يساعده من أصدقائه بالبحث عن دراجته المسروقة، والذين يعملون كعمال نظافة رغم كونهم من الفنانين المتمرنين، نتابع مشهداً ذا دلالة كبيرة هو ولادة المحاولات النقابية في استصدار تنظيم لأوضاع الناس، وكنا قد شاهدنا منذ اللحظة الأولى في الفيلم شيوع مفهوم مكتب العمل الذي يعاون الناس كي يحصلوا على وظائف تتناسب مع إمكاناتهم وما تلاه من مطالبات حتى وصل المجتمع لحق الحصول على بدل البطالة لكي يعين مثل هذا المبلغ التساندي الاجتماعي الأشخاص الذين يفقدون أعمالهم ويمكنهم من العيش بالحد الأدنى الذي يحفظ كرامتهم.

عمالة الأطفال

"برونو"Bruno  مثل شخصيته Enzo Staiola الطفل الذي كان كبيراً بقدر والده العاطل عن العمل، والذي كان إدراكه للظروف القاسية التي تحيط به أكبر من تجربته الصغيرة في الحياة، الطفل الذي يعمل كي يؤمن ولو نزراً يسيراً من المال ليسهل قسوة الحياة على والديه، وبدل أن يكون في مدرسته تجده يصارع الحياة في العمل. الطفل الذي يستوعب مقدار المأزق الذي انزلق إليه والده بعد أن سرق له اللصوص دراجته التي تمثل طريقه للخلاص من البطالة بعد أن وصلت العائلة لحال كارثية من اليأس والضيق، فخرج معه يحاول أن يبحث عن الدراجة واللصوص في عالم خطر ولا مبال.

كان أداء الطفل استثنائياً واحترافياً غلب عليه العفوية والصدق في إبداء المشاعر والاستجابة لمتطلبات المخرج باستحضار قسمات وجه بريء تارة وطفل يحمل الهموم والمسؤولية تارة أخرى.

في عالم اليوم لازال  كثير من الأولاد في العالم يعانون من مثل هذه الظروف القاسية، ويعملون في مهن شاقة، ولكننا في هذا الفيلم شاهدنا الطفل يعمل عملاً يدوياً بسيطاً كعامل في محطة وقود صغيرة.

تبادل الأدوار

عثر أنطونيو على اللص ومعاونه ولكنه لم يلق مساعدة من المجتمع تعينه على إلقاء القبض على المشتبه بهم، وبدل مساعدته انقلب الناس ضده فحاول أن يتخلص من سطوتهم بشق الأنفس، كان تدخل الشرطة محدوداً،  حيث صرخ في وجهه الضابط الذي اعتبر موضوع سرقة دراجته أمراً بسيطاً واستهان بموقف أنطونيو وما تعنيه له الدراجة، لقد كان فقدان الدراجة يعني أنه لن يستطيع أن يعيل أسرته وأنه سيفقد العمل المستقر الذي استلمه بالأمس فقط، وأنه سيخيب ظن زوجته المحبة والمخلصة التي فرحت أشد الفرح لنيله العمل الجديد، وتبدد كل الأحلام التي بناها بالأمس فقط..

اعتبر الضابط أن الموضوع مجرد دراجة أخرى وأن هناك الكثير من الأمور الأكثر أهمية عليه القيام بها، حتى الشرطي الذي وصل ليخلصه من الناس الذين اجتمعوا عليه لضربه بعد أن قبض على أحد اللصوص متهماً إياه بالسرقة، نصحه في حال كان لا يملك دليلاً ضد المشتبه به أن يسكت حتى لا يتم الادعاء عليه بتهمة التشهير به.

انهيار

في هذه اللحظة ينهار كل شيء أمام ناظره ويعرف أن فقدان عمله بات أمراً محتوماً، وأن عليه أن يهدئ من روعه خصوصاً بعد أن ضرب برونو بلحظة غضب عارمة بفعل الضعوط التي تكالبت ضده، ومن ثم أراد استرضاءه بدعوته ليأكل البيتزا في مطعم مسلماً بالنتيجة...

بعدها يمر أمام ساحة بالقرب من استاد كبير لكرة القدم، الساحة تغص بعشرات الدراجات الهوائية، الأمر الذي استفزه كثيراً، هؤلاء ليسوا بحاجة لهذه الدراجات وهم يشجعون لعبة كرة قدم لا طائل من ورائها، وهو الذي سيفقد كل شيء جراء هذا الاستهتار بمصيبته الكبرى، يفكر للحظات، يشاهد دراجة هوائية تقف لوحدها في ساحة فارغة، يمعن النظر بها، يتراجع، هو لم يفعل سوءاً في حياته، يعاود النظر إليها، يطلب من برونو المغادرة بالترام، برونو لم يلحق بالترام، ويضطر للعودة وراء أبيه، ماذا لو أخذها؟ من سيراه؟ من سيحاسبه؟ ألن ينجو كما نجا اللصوص الذين سرقوا دراجته؟! يتصاعد الموضوع ويتفاعل في داخله، في لحظات يقرر، ابنه من ورائه يشاهده، يقرر أن يقوم بسرقة الدراجة وتحدث الكارثة، كان ضحية مسحوقة ومجنياً عليه وفي لحظات أصبح جانياً، وفقد ما تبقى من كرامته المهدورة، وسقط أمام نفسه كما أمام ابنه الذي شهد المشهد بأكمله.

الفيلم يعتمد على رواية تحمل العنوان ذاته للكاتب ، Luigi Bartolini 

كتب السيناريو  Cesare Zavattini

أنتج الفيلم شركة  Produzioni De Sica (PDS),Produzioni De Sica

بطل الفيلم وابنه حصلا على أدوارهم التمثيلية عن طريق الصدفة البحتة، فـ"لامبيرتو مجاراني" لم يكن ممثلاً قد درس التمثيل أو احترفه بل كان مجرد عامل بسيط في معمل، وكذلك الطفل "إنزو ستايولا" حصل على دوره حين أعجب به مخرج العمل ووجده ملائماً ليشغل دور ابن أنطونيو، ومع ذلك فقد أبدع كل منهما بتأدية الدور وكانت استجابتهم لمتطلبات العمل السينمائي والتعاون مع المخرج وطاقم العمل أمراً استثنائياً لا يصدر إلا عن محترفين.

سيريانيوز

 


TAG:

تلاتة بتلاتة .. الدقة

هل يجب ان نضمن الاخبار التي ننقلها نوعا من التشويق حتى تصبح جذابة للقراءة ، هل يجب ان نعتمد التضخيم قليلا ونمرر المعلومات الحقيقية ضمن قالب مبهر .. كيف نقدم الاخبار