جدير بالمشاهدة

تحت الرمال .. نزع صاعق قلب متفجر

26.11.2018 | 18:13

مراجعة : عبد الكريم انيس

فيلم  (under sandet ) من الأفلام القليلة التي سمحت لي بالاطلاع على محتوى السينما الدنماركية، وهو فيلم مميز بحق.

دور الشخصية الرئيسية للفيلم مؤدى بطريقة احترافية بالغة الصدق والإنسانية، تحكي باختصار عن إنسان، من المقدّر أن يعامل بشراً آخرين على أنهم أعداء، ولكن يصل إلى أنه ينبغي أن يكون هناك حدود للعداوة، ينبغي أن يسيطر الإنسان على توحشه وعدائيته، حتى لا يفقد كينونته الأساسية، فهو كائن يتألف من كتلة من المشاعر، بإمكانه أن يسيطر ويتغلب على الشعور الجمعي بالكراهية، خصوصاً حين يتمكن من استعادة حقوقه، فلا بد بعدها من أن يعفو حتى يتمكن من مداواة الجروح العميقة التي خلفتها الكراهية التي توالدت بالحرب.

ألغام خطرة

فريق الفيلم عمل باحترافية عالية، ونقل صورة معقدة بُنيت على أعقاب هزيمة تاريخية منيت بها ألمانيا ودول المحور على يد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية والمرحلة التي تلت لتنظيف أوروبا من بقايا الحرب وتبعاتها، ففي حين كانت الألغام الشكل الخارجي للضرر الذي خلفته الحرب بين البشر، كانت العداوة والكراهية وحب الانتقام هي الألغام الأكثر خطراً والتي تمت زراعتها في الكيان الانساني لتسبب ضرراً أسوأ على الإنسان، فالحياة مع الكراهية شيء بغيض يحيل حياة الإنسان لمجرد زمن كالح وأسود يقضيه بانتظار أن يوارى الثرى.

يقدم لنا الممثل الدانماركي رولاند مولير Roland Møller عرضاً مؤثراً ومعقداً لشخصية رقيب في الجيش الدانماركي، يمتاز بشخصية العسكري التقليدية: القسوة، الانضباط، الصرامة وتنفيذ الأوامر بحرفيتها، يمتلك مشروعاً وطنياً يتمثل بنزع فتيل الألغام التي تشكل خطراً وتهديداً كبيرين على المدنيين، وهي مهمة بالغة الصعوبة والخطورة وتتطلب الكثير من الحرص والأعصاب الباردة لإتمامها. ولأن مخاطر المهمة عالية جداً يتم استجلاب فريق من مراهقين ألمان، صغار السن ليتم تحميلهم، رغم سنهم الصغيرة، أعباء ما زرعه النظام النازي في أراضيهم، ليأخذ الفيلم بعداً أشبه ما يتناوله المثل العربي القائل: "الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون"، وتصبح المهمة صعبة بل وأصعب مما يتم تخيله، حين ينقلب الرقيب من كونه مجرد ضابط عسكري ليصبح فيما بعد أباً وأخاً لأولئك البائسين من الأطفال المجندين، يهمه سلامتهم ويعتبرهم جزءاً أوسع من مهمته في الحياة، وهو نزع صاعق الكراهية من الناجين من أهوال الحروب وكوارثها.

للحرب

يعتبر الفيلم من الأفلام التي تعادي الحرب وتظهر مدى البشاعة التي تخلفها في النفس البشرية كما في المحيط البيئي الذي تحدث فيه، فالخراب ودمار الممتلكات وحرق المسطحات الخضراء وتلويث المياه يطال جغرافيا المكان، لكنه يحدث تشوهاً ويورث قبحاً في النفوس إذا ما استطالت فترة إعادة البناء؛ ولذا سنشاهد في الفيلم مساحات شاسعة تضجّ بالفراغ والمزيد من المساحات التي لا يوجد فيها بشر، حتى ألوان الطبيعة ألوان صفراء تميل للون الصحراء التي تخلو عادة من الحياة.

بسياق متصل يستخدم الفيلم فكرة تجنيد الأطفال ليحذر من تشويه الطفولة باسم الوطنية والدفاع عن الأمة والزج بكل من هو قادر على حمل السلاح في أتون المعارك، تلك التي يكون الأطفال والمراهقون فيها مجرد حطب يغذي نار المحرقة التي تحرق الجميع، الكبير والصغير، وهنا تأخذ بعداً أكثر قسوة مع الأطفال الذين يتمتعون بالبراءة المفترضة والكافية لتغيير العالم البشع الذي يعيشون فيه، ولكنهم يُرغمون على أخذ صف في حرب ليس لهم دخل فيها، سوى أنهم ولدوا في المكان والزمان الخطأ، إنهم مجرد أحجار شطرنج يحركها سياسي جبان أو عسكري لئيم، يدفعهم للمحرقة كي يبقى محافظاً على مكانته ومكاسبه، وأما هم فإما أنهم يفقدون ما تبقى من حياتهم القصيرة، أو يرغمون على أن يكونوا حراباً بدون فعالية ضد عدو يختاره الذي قام بتجنيدهم لصالحه، فإن تمكن منهم استخدمهم كدروع ينفذ بهم العمليات الخطيرة، كما هي الحادثة الأساسية في الفيلم.

عنف من نوع آخر

لسنا أمام فيلم أكشن يمتلئ بالإثارة والعنف المجاني الذي لا ينتهي، العنف الممارس في هذا الفيلم من النوعية التي تتمدد لتصيب شيئاً في داخلك كمشاهد، العنف الذي ستشاهده واقعي وحقيقي وليس مفتعلاً أو مبتذلاً، تسلسل أحداث في الفيلم بارد، مع أن ايقاعه منضبط ويراعي مسار الوقائع بطريقة منطقية غير استعراضية، فإذا كنت من هواة الأحداث المتلاحقة المتتالية فإن هذا الفيلم لا يناسبك. خصوصية الفيلم ورسالته الأخلاقية تمنحه الحصانة أمام المشاهد صاحب الذوق الرفيع الذي اعتاد أن يأخذ موقفاً من ابتذال الأحداث في الأفلام التجارية أو تلك التي تعتمد الإثارة الرخيصة كي تستجلب النظّارة ليملئوا شباك التذاكر.

انتصار الإنسان

بعد الفواجع التي مُني بها فريق الأطفال، وكما هي عادة البراكين والزلازل والكوارث الطبيعية أن تخلّف وراءها شيئاً كان مغيّباً أو مطموراً، يتسرب للمشاهد بعض من انتعاش مشاعر الإنسانية في مساحة القحط المتسعة التي خلفتها أهوال الحرب الكارثية، ستظهر بتلات من الرحمة والأمل، هذه البتلات ستجتاحها المشاعر العامة للكراهية، وستكون عرضة للتدمير والترويع من قبل الفريق العسكري للخصم الذي ينتمي إليه الرقيب ولكنه سيأخذ موقفاً أخلاقياً فوق ولائه العسكري والقومي، موقفه سيكون الممثل الحقيقي للشرف العسكري الذي يفرق بين حدود العدو ويميزها بدون أن تختلط عليه مشاعر القومية العمياء والانصياع التام الذي لا يقبل أي مساءلة حول الأمر العسكري المباشر من جهة أعلى، إنه ينتصر لمُثله ولأخلاقه وللغاية الأساس من الفيلم التي تدور حول دفن الكراهية في العمق المناسب الذي لا تكون فيه ضارة، كي لا تتحول للغم يفقد المصاب مشاعر العطف والحنو والإنسانية، تلك التي تميزه عن باقي المخلوقات.

ختاماً، لابد من الإشادة بفريق الممثلين اليافعين الذين نفذوا المهمة التمثيلية الموكلة إليهم بنجاح بالغ، مثل Joel Basman ، Louis Hofmann  وكانوا عوناً حقيقياً للشخصية الرئيسية فيه في تقديم صورة تخرج عن إطار الحقد والدم التي تنتجها الحروب والمعارك، لقد كانوا بحق فتية أدوا مهمة صعبة ونزعوا ببراءتهم وجراء معاناتهم صاعق اللغم الأكثر صعوبة في قلب ضابط منتصر، وأكدوا إمكانية أن تعيش مع أعداء سابقين مهما كانت الظروف التي تدفعك دفعاً كي تكون وحشاً تأكلك الضغينة ودوافع الانتقام حين تؤمن أنه ينبغي أن تكون هناك نهاية لما أنت عليه اليوم.

كتب الفيلم وأخرجه Martin Zandvliet وتوزع أدواره كل من Roland Møller, Louis Hofmann, Joel Basman وآخرون.

أنتج الفيلم كل من Nordisk Film، Amusement Park Films، Majgaard ، K5 International ، K5 Film، Zweites Deutsches Fernsehen ZDF،Goethe Filmproduktio، Erfttal Film.

تم عرضه بداية في مهرجان تورنتو للأفلام الدولية في العاشر من أيلول لعام 2015.

سيريانيوز


TAG:

ممثلة أفلام إباحية تدفع لترامب 290 ألف دولار ؟

أصدر القضاء الأمريكي قرار يُلزم ممثلة الأفلام الإباحية، ستورمي دانيالز أن تدفع 290 ألف دولار لتعويض الرئيس دونالد ترامب عن الرسوم القانونية التي أنفقها للدفاع عن نفسه في دعوى تشهير أقامتها ضده.