من عمان الى دمشق ذكريات لا تنسى ... بقلم : أدهم عبدالله

العشق لدمشق لم يكن من باب الصدفة أو التعارف وانما كان نتاج الجلوس لمشاهدة التلفزيون العربي السوري فقد كانت البداية فترة المراهقة فترة الثمانينات مع بداية التسعينات من القرن الماضي وكم كانت من فترة جميلة قبل أن يأتي الينا عصر العولمة بحسناته وسيئاته والذي أزاح عنصر البركة من على وجه هذه الدنيا.

 

 فترة غلب عليها طابع المراهقة طابع التقليد للآخرين باللباس وحتى المشي والشعور بالاسترجال وممارسة الحياة بأسلوب مغاير عن العائلة مع التواجد بشكل يومي لعنصر الوحدة والذي له حسناته وسيئاته وهذا ما ميزني ولغاية اللحظة عن الرفاق والأخرين والذي جعلني أتعبق رائحة الياسمين الدمشقي أمام خريطة دمشق القديمة ولوحة للحارة الدمشقية والتي كنت قد اشتريتهن من إحدى الحوانيت والتي تملأ أزقة القيمرية رغم البعد والاشتياق (الله يفرجها).
 

كنا صغارا وكبارا في تلك الفترة لا نتسامر أمام التلفاز سوى شاشة التلفزيون الأردني والتلفزيون العربي السوري . لا أنسى كم كنت أتهرب من المدرسة فترة الصف الرابع الابتدائي عام 1990 من أجل مشاهدة برنامج طلائع البعث.الانضباط بالطلة البهية بلباس البني والطاقية المنحنية على الجبين باتجاه اليمين قليلا مع إلقاء التحية العسكرية ناهيك عن الدقة في تقديم البرنامج والجمال الشامي الذي لا يخلو من خفة الدم .أشد ما كان يراعي انتباهي هو المراكز والمدارس حيث كانت تخلو من شيء اسمه البهرجة الغربية والتجديد والذي بدوره لم يؤثر على حياة الطلبة سوى بالإيجاب والإخلاص والتفاني في العمل .وصلت الامور الى درجة الحفظ غيبا لشارة البداية أو النهاية للبرنامج :


جينا جينا بأمانينا نبدع فجرا بأغانينا نحلم بالأيام الأحلى والمستقبل في أيدينا يا هلا يا هلا يا هلا هيه

نمضي نمضي للمستقبل ندرس نحفظ نبدع نعمل يا وطني أبدا لن نقبل الا الأول في مراكزنا يا هلا يا هلا يا هلا هيه



فترة الأعياد كانت أجمل الفترات وشهر رمضان الفضيل كان له النصيب الأكبر من تلك المشاهدات:

الاعلانات التجارية لعصير مندرين وكندا دراي كولا - برادات الحافظ - غسالات الحافظ واذكر شارتها :

جرتي دايما غسيلاتا غسيلاتا متل الفل ومرتي غيرانة من أختا دخيلكن هاتوا الحل

غسالة الحافظ هيه غسيلا وئته ئصير
 

فترة الغروب كانت من أجمل الفترات والتي كنت انتظرها بفارغ الصبر ليس لتناول طعام الافطار بل لمعايشة تلك الفترة في قلب دمشق الحبيبة حيث كانت تلك الفترة عبارة عن العدول عن المساعدة بتحضير سفرة الافطار مع العائلة

حيث أنني كنت أتوق لمشاهدة فترة الغروب في قلب دمشق من على شاشة التلفزيون السوري: منظر طيور الحمام في الجامع الأموي وهو يجلس على القناطير المحيطة بالمسجد بانتظار أذان المغرب وكيف كان يتفنن المصور بتوزيع كاميرا التصوير داخل باحة المسجد -

ومنظر الناس ممن تقطعت بهم السبل أو بعد المسافة الذي حال دون تناولهم الافطار مع عائلاتهم وهم جالسين حول موائد الافطار - ثم تتنتقل الكاميرا لمنعانقة مدينة دمشق وقاسيون من أعالي الجامع الأموي منظر البيوت القديمة والحديثة المتراصة والمتعانقة رافضة البهرجة الغربية والتجديد خوفا على عبق الياسمين الدمشقي والالفة والمحبة والدفء والحنان.

 

هذا ناهيك عن صوت المذيع وأسلوبه في التقديم لتلك الفترة فترة الغروب.الترانيم الدينية العذبة بذلك الصوت الشدي للفرقة الدينية والتي كنت قد تمكنت من سماعها بعد ان اشتريت وجبة الافطار حيث اتجهت مباشرة ووقفت لهينيهات قليلة بمحاذاة مقهى خبيني قبل اذان المغرب وكم كنت أتشوق لتناول طعام الافطار داخل باحات الأموي.بعدها يأتي صوت المدفع بدخانه الجميل من على سفح قاسيون ايذانا بتناول طعام الافطار بعد صوم يوم شاق وجميل في قلب دمشق الحبيبة وقد تمكنت أيضا من أخذ صورة له من سطح الفندق.
 


بعدها تبهرك الاعلانات التجارية وباللهجة الشامية والجمال الشامي وفخر الصناعات السورية تبهرك بعنفوان المحبة والاصرار على الحياة.


فترة الأعياد (الفطر والأضحى) :

كانت هناك احدى الاعلانات التجارية تتراءى فترة العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك للاعلان عن الملابس للأعياد وبالأخص ملابس الجينز وهي جينزات حنا صليبا :

شوفوا شوفوا شو جبلا خطيبا هدية من حنا صليبا حنا صليبا يا حياتي عنده جينز لكل اخواتي
 

منظر كاميرا التلفزيون العربي السوري وهي تجوب الأسواق القديمة من الحميدية والبزورية الى مدحت باشا وباب سريجة واللقاء مع الاحبة من أهل تلك المدينة للسؤال عن التجهيزات لعيد الفطر السعيد والتي كلها توجت بكعك العيد وتجهيزاته على الطريقة الشامية والشوكولا والتي بدورها كانت قد أثارت بي الفضول لمراقبة احدى السيدات الشاميات وكيف أنها اختارت أفضل أنواع الشوكولا من احدى المحلات المتخصصة ببيعها بالبزورية حيث كنت لا أعرف من أي نوع سأشتري لدرجة أنني اشتريت من ذات النوع وكذلك الكمية التي اشتريتها تلك السيدة أطال الله بعمرها.
 

المسلسلات السورية الاجتماعية والتي تحمل طابع الحارة الدمشقية أو الحديثة كانت لها النصيب الأكبر من المتابعة لشاشة التلفزيون العربي السوري وأخص بالذكر مسلسل ليالي الصالحية والذي أثار لدي نوازع العشق لهذه المدينة الجميلة .
 

فكل شيء يعتبر كتاب لن تستطيع فهمه دون أن تفتحه وتقرأه من البداية حتى النهاية. كان السؤال الذي يراودني ما معنى الصالحية؟ وقتها كنت أدرك أنه حارة أو حي أو عبارة عن مكان ان لم يكن مدينة كبيرة ضمن مناطق دمشق والدليل على ذلك ما سسبقها من كلمة : ليالي ثم اخذني التفكير بعيدا لربما أنها ليالي مثل ليالي الأنس ولكن مع الأناس الصالحين وووو.....الخ ولم تتوافر وقتها أية وسيلة لمعرفة ما معنى الصالحية لا انترنت ولا كتب ولكن من خلال التابعة أدركت أنها منطقة من ضمن مناطق دمشق.شارة البداية للمسلسل وصورة الفنان المحبوب عباس النوري باللباس الشامي التقليدي الشامية وتلك السحنة بالشنب الطويل الكثيف بالشعر الأسود والتي لا تخلو منها معاني الرجولة الشامية التي أقضت مضاجع الفرنسيين والعثمانيين على مر العصور.

 

تلك الشارة وصور الممثلين والممثلات باللباس التقليدي الشامي وحدها كانت تكفي للولوج الى الحارة الدمشقية المجبولة بالمحبة والدفء والحنان والمعبق بالياسمين الشامي...نعم انها الصالحية وهي أولى المناطق الجديدة خارج دمشق القديمة (خارج السور) حيث تم بنائها بسبب التوسع العمراني خارج المدينة القديمة والتي طغى عليها الطابع العثماني من الأسواق والمباني والحمامات حيث أطلق عليها العثمانيون : اسطنبول الصغرى وقد استقيت هذه المعلومات من خلال متابعة تلك المقابلة الجميلة مع مختار الصالحية وكان ذلك في العام2009
 

سمها وأطلق عليها ما شئت : عشق دمشقي أم فضول .علما أنها كتابات على قصاصات من ورق أبيض ولكنها حقيقة وليست خيال- مشاهدات في الواقع وليست من نسج الخيال - طموح تحقق ولم يكن حلما من أحلام اليقظة أو مرحلة النوم العميق - كلمات على قصاصات من الورق لازالت تفوح منها رائحة الياسمين الدمشقي والذي تعبقته هذه القصاصات في مقاهي دمشق من خبيني والنوفرة الى الروضة والشرق الأوسط - من نعنع الى بيت جدي ودمشق القديمة مع النرجيلة والقهوة الدمشقية من بن زرزور فتشرفنا أهلا وسهلا. تفرج يا شام...تفرج يا سوريا.
 

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews/?fref=ts
 


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close