رانجو .. البطل الزائف

28.07.2018 | 15:02

مراجعة : عبد الكريم انيس

أحداث الفيلم سيرويها للجمهور راو ثالث، سيتمثل بالجوقة الموسيقية أو الكورس، وهو فريق من خارج المشهد ستكون مهمته أن يقدم لك ايماءات وايحاءات حول ما سيحدث، يتألف ذاك الفريق من طيور بوم يعزفون ويقصون الرواية، سترسلك الموسيقا التصويرية الملفتة للانتباه مباشرة لتحط الرحال في الغرب الأميركي، حيث حصل الممثل الشهير كلينت ايستوود على نجوميته.

ومن ثمّ شيئاً فشيئاً ستدخل موقعاً في حيز اللامكان، اسمه Dirt يختصر ما يتداوله العامّة عن كون ظروف حياتهم لا تليق بإنسان، حيث معايشة القذارة بكل أبعادها، فكل شيء يدعوك للفرار من هذا المكان الذي يكاد يذوي من الحرّ وقلة الموارد وانفلات القانون وتمييعه وتقلص مساحات الحياة فيه، إنه أسلوب قديم لأفلام "الكاوبوي" التي انتشرت في فترة من الفترات، وسيطرت على الشاشة الفضية ردحاً من الزمان.... قرية في محيط صحراوي لاهب، يضجّ بالأشرار والعصابات المسيطرة، وبعض السكان المغلوب على أمرهم، وهم في هذا الفيلم الشيّق مجموعة من القوارض والزواحف والحشرات مع طير جارح وحيوانات أخرى حين تقتضي الضرورة.

تتصف الشخصيات بالبؤس والشقاء والاستسلام للواقع، ويغلب عليها اللامبالاة والإرهاق، تتسرب إليها صفات بيئتها المحيطة، فهي غالباً  تعاني القحط والجفاء في المشاعر، غير عابئة بما يحدث أو سيحدث، مستسلمة لقضاء محتوم بأن الفناء وشيك على الأبواب.

سراب بطل

بطل هذا الفيلم حيوان زاحف، من أصحاب الدم البارد، عدم وجود دم أحمر لزج عند هذا الكائن ليس مصادفة فهو سيخدمه في ظروف تتطلب أن تغلي فيها دماء لم تعد موجودة بعد الآن، مدّع مزيف، منتحل لصفات الشجاعة والبطولة، مستمتع بأداء دوره التمثيلي الذي لا يمت لشخصيته الحقيقية بصلة، قرر بلحظة واحدة أن يقدم أفضل ما لديه من تصنّع يمتلكه كممثل في مسرح أحداث المدينة التي وصل إليها، ليس هناك من يعرف شيئاً عن تاريخ أفعاله ومنجزاته، ولا شهود على ادعاءاته سوى الأموات، ساعده في إنجاح مزاعمه البنية المهزوزة لمجتمع متآكل خائف مذعور، يبحث عن بطل مهما كان هذا البطل زائفاً ومدّعياً، خدمته الظروف، وطوعت له سياقات الأحداث ما يتفق مع حجم كذبه المريع والفاحش، ابتداء من اسمه الذي اشتقه من مستخلص نبات الصبار، وليس انتهاء بشجاعته المزعومة وقدرته على ضبط الأمور لصالح الاستقرار.

رانجو أيها السادة ممثل حقيقي للزعماء وأهل السلطة في كثير من المجتمعات البائسة، لازال يمارس أحابيل كذبه وادعاءاته وإنجازاته التي لا يعلم عنها أولئك التعساء المخدرون السكارى الكسالي غير ما يصبه في آذانهم الصمَّاء اللامبالية، فهم واقعون تحت تأثير الحاجة والفاقة وتردي أحوال المعيشة وغياب الأمل، في مناطق لا يحكمها سوى الفوضى وقانون الأقوى والفساد المتغوّل، وتصل السذاجة بهؤلاء أن يمنحوا الكاذب المخادع أسماءً وألقاباً وتفاصيل لإنجازات لم يقم بها، ويوافق عليها دون أن يرف له جفن، فما الداع لتكذيب ما يعطيك مزيداً من البطولة، ويضفي عليك ألقاب الشجاعة والحكمة، ويمنحك الاحترام في وسط ميت ينتظر أن تفتح عليه أبواب الجحيم؟!  

مصالح نتنة

يحتاج هذا المجتمع الصحراوي للماء الذي هو عصب الحياة فيها، وهو هنا يمثّل صورة لاقتصادات منهارة بسبب تحكم مجموعات عصاباتية بمصادر الحياة في هذه المجتمعات. وهناك دوائر فساد متشابكة ووطيدة الصلة مع المتحكمين بالقانون، دوائر يعصف بها الفساد ويُسكت الجبن والخوف أي مطالب بالحقوق، إيثاراً لنجاة من يفكر بها.

وحين يحدث الانهيار ويأتي الطوفان سيدوس الأقوى على الضعيف كي يتمكن من البقاء حياً فترة أطول من الزمن، وهكذا تنشأ دورة الإفساد في المجتمعات حتى يأتي مثيل رانجو، ويختبأ المجتمع الذي يخاف من المواجهة وراء هذا الكاذب المدّعي، الذي تخدمه المصادفات والحظوظ، وحتى بوجود أعداء آخرين يقومون بتصفية بعضهم بعضاً لتكون النتيجة لصالحه، فيصبح فجأة ممثلاً لتطلعات وآمال الجماهير التي سُفحت آمالها كماء مسكوب على طريق إسفلتي في يوم قائظ، ليتبخر دونما أي تأخير.

يُفتح طريق رانجو معبداً وتُشرع أمامه أبواب الاقتران بالكبار الذين يمسكون ويديرون اللعبة بكل أبعادها، فيسلمونه بعض أدوارها، وبحكم أنه استعراضي متفاصح وليس صاحب إنجاز، سيقوم باللجوء للتحوير والتزوير ويعتقد أن تغيير الأسماء قد يعفي عن الأداء والنتائج والمحاسبة، فلا بأس إن تم تحويل الوحش ليصبح أسداً، رغم أنه بالنتيجة سيظل حيواناً لا يصلح سوى للافتراس والاستعراض والمقابلات والمحادثات فوق ما تتحمله الأوضاع العامة.

منتهى اليأس والهزيمة

في مقطع سرقة المياه من البنك المركزي العام، تستحضر السحلية ذات الدم البارد- لنتذكر أن اختيار ذوي الدم البارد لم يكن مصادفة-وفي غمرة الكارثة التي تهدد أفراد المجتمع بفقدان عصب الحياة، المياه، ومع كون رانجو بات أميناً مأموراً على ذلك المجتمع، فقد تم اعتماده "شريفاً" مسؤولاً عن الأمن واستتبابه وضبطه، نشاهد مستوى من الإسفاف والمناكفة والكلام الفارغ في التفاصح بشرح المفاهيم التي لا تحتاج شرحاً، نكاد قد شاهدناه بالحرف ضمن مأساتنا في سورية، ومع أن السرقة المفضوحة هي مؤامرة غبية كان المتآمر الأول هو من أعطى تفويضاً لآخرين بالحفر والتنقيب في مجتمع متخلخل ومتصدع بما فيه الكفاية ليشتعل ذاتياً، ومع أن التهديد يطال حيوات الجميع، الضعيف والقوي، الفقير والثري، السفيه والرشيد، المدبّر وعديم الحيلة، المريض والصحيح، فإن المدينة المنخورة نخراً بالفساد حتى النخاع، تتحمل بسكانها جميعاً مسؤولية هذا الفقدان واستمرار خداعهم لأنفسهم، واستمرارية شجارهم فيما بينهم، أفراد هذا المجتمع لا يكفون عن الكذب والمبالغة حتى وهم في أتعس حالاتهم، التي يبدو أن لا شفاء ممكناً سيجعلها تتعافى قريباً.

جوني ديب وإبداع جاذب

لعل شخصية رانجو تناسب جداً الشخصية الذي قام بتأديتها صوتياً، جوني ديب Johnny Depp، الفنان الأميركي الساخر، وبذات لكنته في أفلامه التي نالت استحسان جمهور عريض من المشاهدين والمعجبين، يستمر جوني بجذب متابعيه وتلقي رضاهم، حتى وهو يأخذ دور سحلية أفَّاقة كثيرة الكذب والادعاء، ويستطيع تمرير كذبة كبيرة مثل كونه أخٌ لأفعى، مع أنها من فصيل مختلف، مفسّرا ذلك بأنَّ أمه كانت سيدة منحرفة! وهو أسلوب استخدمه كثيرون من الساسة والمتسلطين.

هذا ليس فيلماً عادياً أيها السادة، فالكارثة التي حدثت في عالم الزواحف والقوارض تتكرر عينها في عالم الكائنات "العاقلة" حين يتعلق الأمر بالمصادقة على كل الكذبات والافتراءات وعقد المقارنات المختلة وتفويض أخرق أحمق لصالح مختل من فصيلة أحد الحيوانات، وبرغم أن الفيلم ينتهي نهاية جيدة، إلا أن الواقع ليس بوسعه تعديل مسار شظايا الانقسامات والانفجارات في المجتمعات المتصدعة.

تم إطلاق الفيلم في 23 آذار الماضي في فرنسا، وقامت كل الجهات التالية بإنتاج الفيلم Paramount Pictures, Nickelodeon Movies, Blind Wink Productions.

قام بكتابة القصة والسيناريو المثير والممتع John Logan  وتولى أمر الإخراج باقتدار ملفت للانتباه Gore Verbinski

 

بإمكانك أن تشاهد المقطع الدعائي لفيلم "Rango" (اضغط هنا free trailer)


TAG:

أصالة نصري تثير جدلا واسعا بسبب أغنية تجمع فيها بين السيسي وعمر المختار

أثارت الفنانة السورية أصالة نصري جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي بعدما أقحمت صورة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" في كليب أغنيتها الجديدة التي حملت اسم "الحب والسلام" الى جانب عدد من الشخصيات السياسية والتاريخية.