صوت سوريا

سورية بين "وحدة الشعارات" وواقع "التفسخ": قراءة في تحولات الدولة والسيادة

06.04.2026 | 01:47

ما وراء الترند – هل سورية تتحد فعلاً؟

نشهد اليوم تحولاً حاداً في الخطاب السائد حول القضية السورية؛ فبعد سنوات من هيمنة شعارات "الحرية" التي بلغت مداها، برز "ترند" جديد يروج لفكره "سورية الموحدة".

 هذا التحول بحسب السيد مضر يفرض علينا تساؤلاً استراتيجياً يتجاوز السطح: هل تقترب البلاد فعلياً من استعادة وحدتها، أم أننا نعيش حالة خداع بصري تخفي حركة في الاتجاه المعاكس تماماً؟

إن الهدف من هذا التحليل هو تحفيز التفكير الموضوعي وتفكيك المفارقة الصارخة بين "الترند" الرقمي والواقع الملموس. الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن التوصيف الراهن للحالة السورية يتجاوز مجرد "التفكك" الهيكلي، ليصل إلى مرحلة أكثر خطورة وبشاعة وهي "التفسخ". نحن لا نتحدث عن أجزاء يمكن إعادة لصقها، بل عن حالة تعطل حيوي شامل تهدد الكيان الوطني في جوهره.

من التفكك إلى التفسخ: تشريح جسد الدولة المنهك

في العلوم السياسية، كما في البيولوجيا، هناك فارق جوهري ومخيف بين "التفكك" و"التفسخ". التفكك قد يكون ميكانيكياً يسمح بإعادة التجميع، أما التفسخ فهو حالة "توقف حيوي" تسبق وترافق الموت، حيث تبدأ "الروائح النتنة" والتحلل الأخلاقي والمدني بالظهور، كما رأينا في الصراعات البينية في مناطق مثل قلعة المضيق والسقيلبية.

تاريخياً، يمكن وصف الدولة السورية منذ الاستقلال بأنها "طاولة ذات ثلاث أرجل"، ظلت دائماً "مقلقذة" (غير مستقرة) لأن الرجل الرابعة فُقدت—إما لأن الفرنسيين أخذوها معهم أو لأنها لم تُركب أصلاً. هذا الخلل البنيوي ناتج عن غياب "دولة عميقة" حقيقية تصون المصالح الوطنية العليا.

بدلاً من ذلك، اعتمدت المنظومات المتعاقبة على عائلات تجارية (دمشقية وحلبية) كانت بمثابة "البديل" للدولة العميقة، حيث تقاطعت مصالحها مع السلطة لتسيير الأمور دون بناء مؤسسات مستدامة.

مقارنة بين آليات انتقال السلطة:

وجه المقارنة

انتقال السلطة في الدول المستقرة

انتقال السلطة في سورية

الآلية

سلمي، مؤسساتي، ودستوري

انتزاع غير طوعي عبر الصراعات

الطبيعة

عملية انسيابية تضمن استقرار الدولة

عملية تشبه "خلع الضرس" انتزاع قسري مؤلم

النتيجة

الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة

هدم المؤسسات وبناء منظومات ولاء شخصي

 

الإقطاعيات الجديدة: من الحكم المطلق إلى "تعهدات" تجار الحرب

انتقلت سورية من نموذج "الحاكم العسكري المطلق" (نموذج عام 2000) الذي يهيمن على "مؤسساتية نظرية"، إلى منظومة قوى مهجنة (نموذج عام 2024) تعتمد على الإقطاعيات المالية والعسكرية.

شبكات تجار الحرب: تراجعت سطوة المؤسسات التقليدية لصالح شبكات يقودها متنفذون مثل "الأطرجي"، "أبو علي خضر"، و"يسار إبراهيم". هؤلاء ليسوا مجرد رجال أعمال، بل هم أدوات في منظومة حكم تعتمد على تقاسم المغانم وتفتيت السيادة.

نموذج "الجولاني": يبرز الجولاني كخريج لهذه المنظومة، وهو في الحقيقة "المتعهد الأساسي" الذي أنجز ما لم يستطع سلفه إنجازه من تنازلات جغرافية وتقسيم فعلي للأرض تحت غطاء "التحرير".

هذا النموذج أعاد إنتاج "إقطاعية اللون الواحد"؛ وهي نسخة راديكالية وهشة من النظام العثماني. فبينما كان العثمانيون يعتمدون على أعيان محليين، يعتمد الجولاني على فئة راديكالية طارئة تسلمت "البشر والحجر"، مما جعلها إقطاعية تفتقر لأي بعد حضاري.

 

جغرافيا الانفصال والشرخ الاجتماعي: فشل النماذج الوطنية

أدى الانهيار المؤسساتي إلى تعميق الشرخ الجغرافي والاجتماعي، حيث تحولت الأطراف إلى كيانات منفصلة واقعياً.

فشل نموذج "قسد": سقط مشروع "قسد" الذي قدم نفسه كمظلة وطنية عابرة للقوميات. والنتيجة هي تقوقع المكون الكردي في الشمال الشرقي، وانكسار حلم الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية.

إقطاعية "ما قبل العثمانية" في مناطق العشائر: في دير الزور والرقة والميادين، انهار "ثالوث السلطة" (حزب، أمن، جيش) ليحل محله قانون "حارة كل مين إيده له". السيادة هناك اليوم تخضع لـ "شطارة" الشيخ المحلي أو القوة المسيطرة، في عودة بدائية لأشكال حكم تسبق مفهوم الدولة الحديثة.

 

سورية في "المونديال" العالمي: العرب خارج الحسابات

يعيش الملف السوري حالة من الركود "الهمود" لكونه مجرد عرض جانبي لصراع إقليمي أكبر.

الخسارة الحتمية: إن تصريحات الإدارة الأمريكية (ترامب) حول الاستغناء عن نفط الخليج ومضيق هرمز تعني أن العرب—والسوريين ضمناً—هم "الخاسر الأكيد" و"خارج المونديال" العالمي تماماً، بغض النظر عن نتيجة الصراع بين إيران وإسرائيل.

غياب الإرادة وتصفيق الجمهور: الشعب السوري اليوم مغيب تماماً عن المعادلة؛ فهو مضطر لـ "التصفيق للغالب" (مثل الجولاني) دون أن يمتلك أي إرادة حقيقية. هذا التغييب يمتد للمغتربين الذين سقطوا في فخ "الموالاة العمياء"، حيث يطبقون قاعدة "اليد التي لا تستطيع كسرها، قبلها وادعُ عليها بالكسر" تجاه القوى المهيمنة كترامب، بدلاً من صياغة مشروع وطني مستقل.

 

نحو هوية وطنية لا "كوكتيل مكونات": الطريق إلى التعافي

إن أكبر تهديد لوحدة سورية هو الإصرار على مفهوم "سورية المكونات" (المحاصصة الطائفية والعرقية). إن جمع ممثلين عن الطوائف في "فريم" واحد ليس وحدة، بل هو تكريس للتفسخ.

الرؤية الاستراتيجية للتعافي:

الدولة كمشروع سياسي: الهوية الوطنية هي مشروع سياسي مختمر وليست جمعية خيرية. لو استيقظ السوريون غداً وقد اعتنقوا جميعاً "الزرادشتية" أو "البوذية"، يجب أن تبقى "الدولة السورية" قائمة بمشروعها وتموضعها، لأن الدولة لا تتأثر بتغير أديان أو أعراق سكانها.

نقد الموالاة الاغترابية: يجب على السوريين في الخارج التوقف عن "بيع الكليشيهات" والتبعية للأفراد. إن ظاهرة "الولاء الموروث" والركض خلف البيت الأبيض لن تنتج حلاً؛ المطلوب هو تقديم مشروع "سورية المثالية" على الورق كنقاش وطني صرف.

مواجهة الحقيقة المرة: يبدأ العلاج بالاعتراف بحجم الشرخ. لا يمكن ترميم التفسخ بتغطية الشروخ بالصور والشعارات المزيفة، بل بمواجهة "الروائح النتنة" للواقع الحالي ومعالجتها من جذورها.

الخلاصة: الوحدة الحقيقية تبدأ من مواجهة حقيقة "التفسخ" لا من الهروب خلف شعارات "الترند" التي تخفي انهيار الكيان.

 


TAG: