تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة تطورات ميدانية وأمنية متسارعة، تشير في مجملها إلى حالة من التآكل في جسد السلطة القائمة، وانزلاق البلاد نحو نموذج حكم بعيد كل البعد عن مفهوم "الدولة" والمؤسسات. فمن الاعتداءات على الرموز الدينية في ريف حماة، إلى تفشي الفساد في قطاع الاستثمار، وصولاً إلى غياب الهوية الأمنية الواضحة، يبدو أن السوريين باتوا يواجهون واقعاً يفرضه "قادة فصائل" و"مشايخ" يحلون محل القانون والقضاء.
وناقش رئيس تحرير سيريانيوز نضال معلوف في تسجيل يوم السبت ما يلي:
واقعة السقيلبية: إنذار بخطر يهدد السلم الأهلي
اندلعت في مدينة السقيلبية بريف حماة أحداث وصفت بالخطيرة، بدأت بمشاجرة فردية لكنها سرعان ما تحولت إلى هجوم واسع النطاق (غزوة) تسبب في ترويع السكان وتحطيم الممتلكات.
تفاصيل الاعتداء وتداعياته
وفقاً لمصادر محلية وتقارير ميدانية، تعرضت المدينة -ذات الغالبية المسيحية- لهجوم تخلله اعتداء على رموز دينية، حيث طال الرصاص مقام "السيدة العذراء". وقد أدى هذا الحادث إلى موجة غضب شعبي امتدت حتى العاصمة دمشق، حيث تظاهر العشرات أمام أبواب البطريركية احتجاجاً على تكرار هذه الحوادث.
وفي خطوة احتجاجية لافتة، أعلنت الكنائس في المنطقة إلغاء النشاطات الكشفية المرافقة لعيد الفصح، تعبيراً عن حالة عدم الأمان والرفض لما جرى.
الاستثمار في سوريا: حين تصبح الرشوة شرطاً للتعاقد
في موازاة الانهيار الأمني، يبرز انهيار اقتصادي ناتج عن "التشبيح" على المستثمرين. كشفت شهادات لمستثمرين ورجال أعمال عن واقع صادم يواجهه رأس المال الراغب في العمل داخل سوريا، حيث يتم سحب العقود من الشركات التي ترفض دفع مبالغ ضخمة كـ "رشاوى".
وأكد أحد المستثمرين الذي ظهر في فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي مطالبته بدفع مبلغ 7 مليون دولار لتفعيل العقد الاستثماري الذي قام بتوقيعه بقيمة 40 مليون دولار مؤكداً أن هذه الممارسات أدت إلى هروب 80% من المستثمرين .
كما تشير التقارير إلى أن هذا الفساد يطال مستويات عليا في "وزارة السياحة" وجهات حكومية أخرى، مما أدى إلى حرق مكاتب بعض المستثمرين الذين رفضوا الانصياع لهذه الابتزازات، وهو ما يعيق أي أمل في إعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي.
غياب الهوية الأمنية: من يحكم الشارع السوري؟
يعاني المواطن السوري من حالة ارتباك شديد بسبب غياب "الهوية البصرية" والواضحة للأجهزة الأمنية. ففي حوادث متكررة، منها ما جرى مع صحفيين في مدينة حمص، تقوم مجموعات مسلحة مجهولة الهوية تستقل سيارات مدنية بانتهاج أسلوب السلب والنهب تحت مسمى "مكافحة المخدرات" أو "الأمن العام".
إشكاليات جهاز "الأمن العام"
تطرح التطورات الحالية تساؤلات ملحة حول طبيعة ما يسمى بـ "الأمن العام":
1. المجهولية: لا يُعرف من هو قائد الأمن العام، ولا توجد فروع واضحة أو مقرات رسمية معلنة في المحافظات.
2. تعدد الوجوه: تظهر الأدلة أن هؤلاء العناصر قد يكونون أفراداً في فصائل مسلحة يرتدون لباس الأمن تارة، ولباس الفصائل تارة أخرى، أو حتى يشاركون في "الغزوات" القروية.
3. فقدان الثقة: أصبح المواطن غير قادر على التمييز بين رجل الأمن والحرامي، مما دفع البعض للدعوة إلى "الدفاع عن النفس بالسلاح" في حال التعرض لمجموعات لا تحمل هوية رسمية واضحة.
"دولة المشايخ" مقابل "دولة القانون"
تعتمد السلطة الحالية، وخاصة في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" وما حولها، نموذجاً يعتمد على "لجان المصالحة" و"المشايخ" لحل النزاعات بدلاً من القضاء والقانون.
* تغييب القضاء: تم إقصاء الجسم القضائي تدريجياً لصالح "مجالس الصلح" التي يقودها مشايخ محليون. هؤلاء المشايخ هم من يتخذ القرار الأمني والقضائي والاجتماعي، وهم من تظهرهم السلطة عند وقوع الأزمات لتهدئة الأوضاع بشكل "عشائري".
* الخطر على المدنية: يرى مراقبون أن هذا النموذج يعود بسوريا قروناً إلى الوراء، ويدمر إرثها كدولة مدنية صاحبة أول أبجدية وأقدم حضارة مدنية. فبدلاً من "المؤسسة"، أصبح "الشيخ" هو المرجع الوحيد، وهو نموذج لا يمكن أن يبني دولة معترفاً بها دولياً.
المكونات السورية: الجميع في دائرة الخطر
إن ما جرى في السقيلبية ليس تهديداً للمسيحيين وحدهم، بل هو مؤشر على خطر يطال كافة المكونات السورية من دروز وعلويين وأكراد، والأغلبية السنية أيضاً.
وحدة المعاناة
* السويداء والساحل: شهدت هذه المناطق سابقاً حوادث مشابهة وتدخلات من "الأمن العام" في مجازر أو عمليات قمع.
* الموقف الشعبي: سُجل موقف إيجابي من العديد من النشطاء (بما فيهم المنتمون للثورة والأغلبية السنية) الذين أدانوا "غزوة السقيلبية" واعتبروها تشويهاً لصورة المجتمع السوري.
* الخطر الوجودي: غياب الدولة يعني أن الجميع عرضة لتبادل الأدوار؛ اليوم المعتدى عليه في منطقة، وغداً قد يكون المعتدي ضحية في منطقة أخرى نتيجة غياب الرادع القانوني.
رؤية مستقبلية: مطالب السوريين للنجاة من الانهيار
لا يمكن لسوريا أن تخرج من نفق الفوضى إلا بالعودة إلى القواعد الأساسية لبناء الدول. وتتلخص المطالب الشعبية والمنطقية في الآتي:
1. إعلان الهيكلية المؤسسية: يجب على السلطة الكشف عن أسماء المسؤولين الأمنيين، مقراتهم، وأرقام هواتفهم الرسمية. لا يمكن قبول "حكم الأشباح" أو التعامل عبر "الواتساب".
2. تفعيل دور المجتمعات المحلية: إشراك أبناء المناطق (مثل السقيلبية وقلعة المضيق وغيرها) في حماية مناطقهم ضمن إطار شرطي رسمي ومنظم، لضمان الثقة والقدرة على التمييز بين العناصر الأمنية والمخربين.
3. فصل الدين عن الدولة: التأكيد على أن القانون هو الذي يحمي الدين والعبادات، وليس العكس. إن إقحام "الفقه" أو "المشيخة" في إدارة الدولة هو وصفة للفشل والتبعية.
4. الشفافية في الاستثمار: إنقاذ ما تبقى من اقتصاد البلاد يتطلب وقف "الإتاوات" والرشاوى المفروضة من قبل "عصابات" تدعي صلتها بالسلطة.
سيريانيوز
























