جميل مردم بك: مسيرة سياسي مخضرم بين التأسيس الوطني والجدل التاريخي

يُعد جميل مردم بك (1895-1960) أحد أبرز الآباء المؤسسين للجمهورية السورية، وشخصية محورية في تاريخ سوريا الحديث خلال مرحلتي الانتداب الفرنسي وما بعد الاستقلال.

يُعد جميل مردم بك (1895-1960) أحد أبرز الآباء المؤسسين للجمهورية السورية، وشخصية محورية في تاريخ سوريا الحديث خلال مرحلتي الانتداب الفرنسي وما بعد الاستقلال.

تميزت مسيرته بالجمع بين النضال الثوري المسلح والعمل الدبلوماسي رفيع المستوى، حيث شغل منصب رئيس الوزراء في خمس حكومات متعاقبة، وكان له دور جوهري في تأسيس "الجمعية العربية الفتاة" و"الكتلة الوطنية" وجامعة الدول العربية.

ومع ذلك، تظل شخصيته محاطة بجدل تاريخي واسع، يتراوح بين اتهامه بتقديم تنازلات سياسية كبرى لفرنسا، وصولاً إلى ادعاءات استخباراتية حديثة حول دوره كـ "عميل مزدوج"، وهي اتهامات تتقاطع مع خصوماته السياسية الحادة في الداخل السوري، لا سيما مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.

الجذور والنشأة السياسية

الخلفية العائلية: ينتمي جميل مردم بك إلى أسرة دمشقية عريقة ذات أصول عثمانية، تعود لجدها الأكبر مصطفى لالا باشا (فاتح قبرص). كانت عائلته من أعيان دمشق والملاك العقاريين الكبار في الغوطة ووادي العجم.

التكوين الأكاديمي: تلقى تعليمه في دمشق ثم التحق بمعهد العلوم السياسية في باريس، وهو ما صقل مهاراته الدبلوماسية وأعطاه اطلاعاً واسعاً على السياسة الأوروبية.

النشاط القومي المبكر: شارك في تأسيس "الجمعية العربية الفتاة" بباريس الهادفة للتحرر من الحكم العثماني، وانتُخب أميناً عاماً للمؤتمر العربي الأول عام 1913، مما عرضه لحكم بالإعدام غيابياً من قبل جمال باشا.

 

 النضال ضد الانتداب الفرنسي: من السلاح إلى السياسة

تدرج مردم بك في مناصب قيادية ونضالية لمواجهة الانتداب الفرنسي عبر عدة مراحل:

العهد الفيصلي: عمل مترجماً خاصاً للأمير فيصل بن الحسين في مؤتمر السلم بباريس (1919)، ثم عُين معاوناً لوزير الخارجية في حكومة رضا الركابي (1920).

الثورة السورية الكبرى (1925): كان عضواً مؤسساً في "حزب الشعب" وساهم في نقل الثورة إلى دمشق من خلال شراء السلاح وتهريبه للثوار عبر أملاكه الخاصة، مما أدى لاعتقاله ونفيه إلى قلعة أرواد ثم يافا.

الكتلة الوطنية: بعد فشل النضال المسلح، اتجه نحو "النضال السياسي" عبر الكتلة الوطنية، متبنياً شعار "التعاون المشرف" لتحقيق الاستقلال، وهو ما تسبب في شرخ مع التيار المنادي باستمرار العمل المسلح بقيادة الشهبندر.

 

العمل الحكومي والمناصب القيادية

شغل جميل مردم بك عدة مناصب وزارية وسيادية هامة، نلخصها في الجدول التالي:

المنصب

الفترة الزمنية

ملاحظات أساسية

وزير المالية

1932 - 1933

استقال تحت ضغط الوطنيين (إبراهيم هنانو) لرفضهم شرعية الحكومة.

رئيس الحكومة (المرة الأولى)

1936 - 1939

شهدت توقيع معاهدة 1936 مع فرنسا وبداية "العهد الوطني".

وزير الخارجية

1943 - 1945

ساهم في تأسيس جامعة الدول العربية (1944).

وزير الدفاع والاقتصاد

1944 - 1945

قاد المفاوضات لتسلم المصالح المشتركة والمطارات من فرنسا.

رئيس الحكومة (المرة الأخيرة)

1946 - 1948

عُين حاكماً عرفياً ووزيراً للدفاع خلال حرب فلسطين الأولى.

 

 المحطات الجدلية في مسيرته السياسية

واجه مردم بك خلال رئاسته للحكومة عدة أزمات أثرت على صورته السياسية:

معاهدة 1936 وتنازلاتها: اتهمه خصومه بتقديم تنازلات "مذلة" لفرنسا، شملت قواعد عسكرية ومنح حقوق التنقيب عن النفط، في مقابل استقلال تدريجي لم يتحقق كاملاً حينها بسبب رفض البرلمان الفرنسي للتصديق عليها.

سلخ لواء إسكندرون: عجزت حكومته عن حماية اللواء من الضم التركي (1936-1939)، وواجه اتهامات شعبية "ببيع اللواء" لتركيا لضمان حيادها، خاصة بعد زيارته لأنقرة ولقائه بأتاتورك.

الصراع مع الشهبندر: اتسمت العلاقة بالعداء الشديد؛ حيث عارض الشهبندر سياسات مردم بك بشراسة. وبعد اغتيال الشهبندر (1940)، اتُهم مردم بك بالتحريض على القتل وهرب إلى العراق، لكنه بُرئ لاحقاً واعتبرت القضية تدبيراً فرنسياً.

قانون الأحوال الشخصية: حاول تمرير مرسوم علماني يسمح بحرية تغيير الدين وزواج المسلمة من مسيحي، لكنه تراجع عنه وقدم استقالته (1939) تحت ضغط رجال الدين والجمعيات الإسلامية.

 

 حرب فلسطين والاعتزال

الإخفاق العسكري: قاد الحكومة بصفته حاكماً عرفياً خلال حرب 1948، وتعرضت حكومته لانتقادات حادة بسبب هزيمة الجيوش العربية وتقدم العصابات الصهيونية.

الانسحاب من السياسة: في كانون الأول 1948، قدم استقالته وأعلن انسحابه التام من العمل السياسي "نظراً لهزيمة الجيوش العربية في فلسطين".

سنواته الأخيرة: عاش في القاهرة، ورفض عروضاً من جمال عبد الناصر للعودة للعمل السياسي أو الترشح للرئاسة السورية عام 1954، مكتفياً بظهوره الرمزي خلال إعلان الوحدة (1958).

 

الخاتمة والوفاة

توفي جميل مردم بك في القاهرة عام 1960 عن عمر ناهز 65 عاماً، ونُقل جثمانه ليدفن في دمشق. تظل "أوراق جميل مردم بك" التي نشرتها ابنته سلمى عام 1994 مصدراً هاماً لتوثيق رؤيته للأحداث السياسية المعقدة التي عاصرها، كواحد من أكثر السياسيين السوريين ذكاءً وقدرة على المناورة الدبلوماسية في مرحلة تأسيس الدولة.

 


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close