المشهد السوري بين وعود الموازنة وصراع النفوذ الإقليمي

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في تحليله الأخير رؤية نقدية عميقة للواقع السوري الراهن، مفككاً التناقضات الصارخة في أرقام الموازنة العامة، ومستعرضاً الأجندات الإقليمية المتصارعة فوق الأراضي السورية. يركز التحليل على الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، مع استشراف لمستقبل المرحلة الانتقالية في ظل فشل نموذج "أحمد الشرع" (الجولاني) في إدارة البلاد وتصاعد دور القوى الناعمة والمشاريع السياسية الناشئة.

أولاً: موازنة "التفنيص" وتهاوي القطاع الصحي

كشف نضال معلوف عن تضارب حاد في البيانات الرسمية الصادرة عن مسؤولي الإدارة الحالية، معتبراً أن مناقشة أرقام الموازنة "مضيعة للوقت" في ظل غياب الجداول التفصيلية والشفافية.

مفارقات الأرقام الرسمية مقابل الواقع

الجهة/المسؤول

التصريح/الواقع

وزير المالية

يزعم أن 40% إلى 42% من موازنة الدولة تذهب لقطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.

رئيس هيئة الاستثمار

يعلن التوجه لخصخصة 71 مستشفى حكومياً وتسليم إدارتها للقطاع الخاص.

مدير مشفى المواساة

يؤكد أن احتياجات المشفى 300 مليار ليرة، بينما المخصصات الفعلية هي 30 ملياراً فقط (10% من الاحتياج).

الواقع الميداني

المواطنون يضطرون لشراء أبسط المستلزمات الطبية (شاش، قطن) من خارج المستشفيات الحكومية.

يؤكد معلوف أن هذا التناقض يثبت غياب الثقة في كلام السلطة، متسائلاً عن مصير الأموال في ظل عجز المستشفيات الكبرى مثل "المواساة" عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

 

 

 

ثانياً: النفوذ التركي.. الذراع الأمنية وضبط الانفجار

يرى معلوف أن الدور التركي في سوريا يتمحور حول "السيطرة الأمنية" المباشرة، معتبراً أن تركيا تمتلك النفوذ الأكبر ميدانياً من خلال جهاز استخباراتها القوي.

  • حماية "الشرع" تكتيكاً لا استراتيجية: تركيا لا ترى في أحمد الشرع حاكماً نهائياً، لكنها تحميه من الانهيار المفاجئ خشية الفوضى أو انفجار الأوضاع الذي قد يهدد أمنها القومي.
  • المصالح المتبادلة: طالما أن السلطة الحالية متجاوبة مع المتطلبات الأمنية التركية وتعمل كـ "حارس حدود"، فإن أنقرة لا تجد مصلحة في معاداتها حالياً.
  • المواطنة الدستورية: أشار معلوف إلى خطاب وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" حول الاستقرار المستدام القائم على "إطار المواطنة الدستورية" كشكل للحل، وهو النموذج الذي تتبعه تركيا داخلياً.

ثالثاً: السعودية والقوى الناعمة.. النموذج الاقتصادي

في مقابل النفوذ الأمني التركي، تبرز السعودية ودول الخليج كلاعبين أساسيين عبر "القوى الناعمة" والتمكين الاقتصادي، مستخدمين الامتداد العشائري والمال السياسي.

  • الاستقرار مقابل الابتعاد عن السياسة: يسعى النموذج السعودي لبناء استقرار قائم على المشاريع الاقتصادية وتوفير فرص العمل، مع تحييد الحراك السياسي، وهو ما لخصه معلوف بـ "عيش منيح وابعد عن السياسة".
  • مركز الحوار والسلم الأهلي: استشهد معلوف بهذا المركز كنموذج للنشاط المدني المدعوم خارجياً، والذي يركز على "المواطنة، السلام، والتنمية" بعيداً عن الصدام السياسي المباشر، مستهدفاً احتواء الحراك العشائري والشبابي.

رابعاً: سباق مع الزمن.. محاولات الاحتواء السياسي

يشير رئيس التحرير نضال معلوف إلى أن السلطة الحالية، ممثلة بالمكتب السياسي أو "الهيئة السياسية" في وزارة الخارجية، تيقنت من فشل خيار "الحكم بالصرمية" (القوة العسكرية الصرفة)، وبدأت سباقاً مع الزمن لاحتواء الحراك السياسي الصاعد.

  1. استراتيجية الاحتواء: هناك جهود حثيثة للتواصل مع التيارات السياسية والشبابية الناشئة لعقد "تسويات" تضع خطوطاً حمراء، أهمها عدم المساس بـ "أحمد الشرع".
  2. الفراغات السياسية: تعاني سوريا من "هشاشة" في كافة القطاعات، مما خلق فراغات تحاول القوى الخارجية والمحلية ملأها بمشاريع سياسية متنوعة.
  3. تعدد الحراكات: رصد معلوف تنامياً في الوعي السياسي والتشكيلات المدنية في مختلف المدن السورية، مؤكداً أن السلطة لم تعد قادرة على كتم هذه الأصوات كما كان يفعل نظام الأسد.

خامساً: حتمية التغيير ومرحلة ما بعد "الشرع"

خلص نضال معلوف إلى نتائج استراتيجية تتعلق بمستقبل الحكم في سوريا، مشدداً على ضرورة استعداد السوريين للمرحلة الانتقالية الحقيقية:

  • فشل "الأدلجة" و"الأدلسبة": فشل نموذج إدلب في أن يكون نموذجاً يُحتذى به لكل سوريا، حيث يرفض المجتمع السوري منهجية الإقصاء وحكم الشيوخ.
  • حتمية انتهاء حكم الشرع: يصف معلوف انتهاء هذه المرحلة بالأمر "الحتمي" استناداً إلى العلوم السياسية والواقع الميداني، معتبراً أن السلطة الحالية في حالة "تآكل".
  • الرهان على الوعي: يدعو معلوف السوريين لامتلاك زمام المبادرة وبناء "كتل سياسية صلبة" قادرة على فرض إرادتها أمام القوى الإقليمية، بدلاً من الارتهان لمصالح الدول التي تدعم الأشخاص لتحقيق أجنداتها الخاصة.
  • دولة القانون: الهدف النهائي يجب أن يكون الانتقال من حكم الفصائل والعسكر إلى "دولة القانون"، معتبراً أن إظهار السوريين لإرادتهم الرافضة للسلطة الديكتاتورية هو السلاح الأقوى في مواجهة التوازنات الدولية.

"إن استدامة حكم الشرع تعرضت لهزات كبيرة وهو آيل للسقوط.. نحن اليوم نسابق الزمن، وعلى السوريين أن يظهروا كرقـم صعب في الحسابات الدولية عبر الوعي والارادة الوطنية."نضال معلوف، رئيس التحرير


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close