صوت سوريا
سوريا في "الغرفة المغلقة": قراءة في تصدعات الهوية ومأزق البديل السياسي
سوريا في "الغرفة المغلقة": قراءة في تصدعات الهوية ومأزق البديل السياسي
ملخص حديث "عبادة" في برنامج "دقائق مع نضال معلوف" ( صوت سوريا ).
1. مقدمة: راهنية اللحظة السورية وتحدي الانتقال
تمر سوريا اليوم بمرحلة "الانسداد التاريخي"، وهي لحظة تتجاوز في خطورتها أزيز الرصاص لتصل إلى عمق البنية المجتمعية.
نعيش اليوم ما يمكن تسميته بمرحلة "ما بعد الانهيارات الكبرى"، حيث سقطت الرموز التقليدية التي شكلت واجهة السلطة لعقود، وبرزت ملامح واقع جديد تحت السطح قد يوحي بالهدوء، لكنه هدوء خادع يشبه الصمت الذي يسبق الانفجار.
إن الجوهر الحقيقي للأزمة السورية الراهنة ليس سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل هو أزمة "إقصاء مجتمعي" بنيوي.
فبعد سنوات من الصراع، تحول الأمل بالعودة والوئام إلى واقع ممزق يرفض فيه السوري أخاه تحت شعار "أنت لست منا".
هذا التفتت الهوياتي هو التحدي الأكبر الذي يواجه "سوريا المتخيلة" في أذهان أبنائها؛ إذ بات الفرد السوري يعيش حالة من الاغتراب داخل جغرافيا لم تعد تعرّف نفسها إلا من خلال إقصاء الآخر.
هذا الواقع الجيوسياسي المتفجر يجعل المشاعر الفردية المثقلة بالخسارة مادة قابلة للاشتعال في "غرفة مغلقة" لم تُفتح نوافذها بعد.
2. الساحل السوري: هدوء "جرة الغاز" والاستلاب القانوني
يعيش الساحل السوري، وتحديداً في مدن كجبلة واللاذقية، حالة من الترقب المشوب بالحذر الشديد.
فهذه المنطقة التي كانت تُمثل "الخزان البشري" والظهير الشعبي لمؤسسات الدولة، تعيش اليوم حالة من "الشرعية المتآكلة" والزبائنية السياسية التي لم تعد قادرة على إطعام أفواه مؤيديها.
إن الاستقرار الأمني الظاهري هناك يمكن وصفه باستعارة دقيقة استخلصناها من الواقع: "غرفة مقفولة وبها جرة غاز مفتوحة"؛ أي أن أي شرارة، مهما صغرت، كفيلة بتفجير الكتلة الحرجة من الاحتقان المعيشي والسياسي الكامن تحت الرماد.
ومن أخطر تجليات هذا الانهيار ظاهرة "المسرحين والفارين من الخدمة العسكرية" الذين يعانون من حالة "اغتراب قانوني".
هؤلاء الشباب، الذين يشكلون عصب جيل كامل، يعيشون بلا "وثائق مدنية" تحميهم، مما يحولهم إلى أشباح داخل وطنهم، يخشون الحواجز الأمنية رغم "التسويات" المزعومة.
إنهم يعيشون كغرباء في قراهم، معتمدين على حوالات المغتربين أو العمل الزراعي الهامشي، شاعرين بأن العقد الاجتماعي القديم الذي كان يربطهم بالسلطة قد انفرط تماماً. هذا الانهيار ليس مجرد أزمة معيشية، بل هو سقوط لآخر قلاع الانتماء لدولة لم تعد تعترف بوجودهم القانوني.
3.أزمة الهوية: حين يصبح الألم الوطني مادة للاحتفال
لقد تآكل مفهوم "الدولة الوطنية" لصالح هويات فرعية (طائفية، مناطقية، وعرقية) تتغذى على ركام الرمزية الموحدة.
لو أخضعنا عشرة سوريين اليوم لـ "اختبار هوية" وسألناهم عن ماهية سوريا، علمها، ونشيدها، لوجدنا عشرة أجوبة متناقضة تعكس غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني.
إن الدمار الفكري وصل إلى مستويات مرعبة، تتجلى في "النفاق المجتمعي" الذي يستدعي أمجاد "الدولة الأموية" لتغطية واقع غارق في الفقر والتبعية؛ فالدولة التي كانت يوماً مرعبة لمحيطها، باتت اليوم عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة. والأدهى من ذلك هو "تصدع الوجدان المشترك"، حيث يشير المصدر إلى واقعة مؤلمة في جبلة واللاذقية، تمثلت في إقامة احتفالات في ذكرى مجازر راح ضحيتها سوريون آخرون.
هذا الاحتفال بآلام الطرف الآخر هو المسمار الأخير في نعش الهوية الوطنية؛ إذ كيف يمكن بناء وطن يتغذى جزء منه على جراح الجزء الآخر؟ إن غياب الرمزية الموحدة يترك الجيل الجديد في تيه حقيقي، متسائلاً بمرارة: "ماذا بعد؟" في ظل هذا الشتات النفسي والسياسي.
4. فخ القيادات المفروضة وتكتيك "بروباجندا الإرهاق"
تتمثل أزمة التمثيل السياسي في سوريا اليوم في "فخ القيادات المفروضة"؛ حيث تُصدّر قوى الأمر الواقع شخصيات لا تملك شرعية شعبية، بل هي إفرازات لمصالح دولية ومحلية ضيقة.
فمن "غزال" في الساحل، إلى "أحمد الشرع" (الجولاني) في الشمال، وصولاً إلى "الهجري" في الجنوب و"مظلوم عبدي" في الشرق، نجد أنفسنا أمام كانتونات مصلحية تساهم في تفتيت الهوية السورية. السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع هو: "من اختار هؤلاء؟".
وتستخدم هذه السلطات ما نطلق عليه "بروباجندا الإرهاق"؛ وهي استراتيجية تهدف لاستنزاف الفكر النقدي للسوريين من خلال إغراقهم في معارك هوياتية صغرى.
فعندما ينشغل الناس بجدل "إغلاق محلات المشروبات في باب توما" أو الجدل حول "الخمار والشورت"، فإن الهدف الحقيقي هو صرف الأنظار عن القضايا السيادية كبيع أصول الدولة وتبعية القرار الوطني.
إن مهمة البروباجندا الحديثة ليست تزييف الحقائق فحسب، بل إرهاق عقلك بحيث لا تعود قادراً على التمييز بين الجوهري والهامشي، مما يسهّل عملية استبدال طاغية بآخر في دورة عبثية للأزمة.
5.مسؤولية النخب المستقيلة: نحو بديل وطني "افتراضي"
ثمة عتب أخلاقي وسياسي حاد يقع على عاتق "النخب السورية" التي تبدو وكأنها استقالت من دورها التاريخي.
إن غياب المبادرة السياسية المستقلة لشخصيات مثل (مناف طلاس، رامي مخلوف، وأيمن الأصفري) يثير تساؤلات مشروعة حول ارتهان القرار الوطني للدول المضيفة أو الحسابات التجارية الضيقة. لماذا يغيب هؤلاء عن المشهد بينما الهوية السورية تحتضر؟
إن "خارطة الطريق" للخروج من هذا الاستعصاء لا تنتظر معجزة، بل تتطلب بناء "كتل سياسية عابرة للطوائف".
وفي ظل القبضة الأمنية، يمكن البدء بتشكيل "أحزاب رقمية" (Digital Parties) أو منصات افتراضية منظمة تكسر احتكار القوى المسلحة للمشهد. إن البديل لا يولد من الفراغ، بل من العمل الجماعي المنظم الذي يبدأ بكسر "الرصاصة التي تحكمنا منذ 15 عاماً". المسؤولية تقع على كل سوري يملك القدرة على التأثير ليبادر بصناعة هذا البديل، بدلاً من انتظار "مخلص" قد لا يأتي.
6.الانهيار المجتمعي: سوريا كـ "شركة تصفية" (Liquidation Company)
تحولت سوريا من مفهوم "الدولة" بمؤسساتها الراعية إلى مفهوم "الشركة المساهمة" التي تُباع أصولها في "مزاد علني" دولي.
إن بيع معامل الغزل في جبلة لمستثمرين خارجيين، وواقع مؤسسة التبغ التي لم يتقاضَ موظفوها رواتبهم منذ أربعة أشهر، هي دلائل ملموسة على تحول الدولة إلى "شركة تصفية".
هذا الانهيار الاقتصادي يترافق مع "تبعية إقليمية" مهينة، حيث تُستخدم الأرض السورية كمنطلق لصراعات لا تخدم المصلحة الوطنية، مع صمت مطبق تجاه الانتهاكات السيادية.
والأخطر هو "العار القومي" الذي يشعر به السوريون عند مقارنة جيل 1973 بجيل اليوم الذي يتبادل الشتائم الطائفية على منصات التواصل الاجتماعي.
لقد تحول المجتمع من نموذج للتعددية العفوية، حيث كان "الصديق الذي يصلي يسير بجانب صديقه الذي يشرب"، إلى مجتمع يعاني من "دمار فكري" شامل.
إن السقوط المجتمعي واهتزاز القيم هو السقوط الأكبر الذي يجعل استعادة الدولة أمراً في غاية التعقيد.
7. خاتمة: استعادة المبادرة في مواجهة الفناء
إن الخلاصة المركزية التي نخرج بها هي أن سوريا لن تعود بانتظار "قدر خارجي"، بل بصناعة بديل وطني يمتلك الجرأة على طرح رؤية توحيدية تتجاوز الجراح. نحن اليوم أمام تساؤل مصيري: "من سيربّحنا؟ وماذا حققنا في سنواتنا الأخيرة غير الدمار الفكري؟".
إن هذا المقال هو نداء أخير لرفض الواقع المفروض والبدء ببناء مساحات للنقاش الوطني المشترك، حتى لو بدأت من "جروبات الواتساب".
البديل يُصنع ولا يُنتظر، وإذا استمر السوريون في انتظار المعجزات، سيظلون محبوسين في هذه "الغرفة المقفولة" حتى تنفد أنفاسهم. فهل نمتلك الإرادة لفتح النوافذ، أم سننتظر الانفجار الأخير الذي لن يترك وراءه وطناً لنبكي عليه.
الشيباني يلتقي نظيره الاماراتي في أبو ظبي ويسلمه رسالة من الشرع الى رئيس الامارات
الشيباني ونظيره التركي يبحثان تطورات التصعيد في المنطقة
تركيا ودول عربية تدين الاعتداء الاسرائيلي على جنوب سوريا وتطالب باجراءات لوضع حد للانتهاكات
الخارجية الألمانية: دورنا قوي في دعم التنمية الاقتصادية في سوريا
سيول الحسكة تكشف مقابر جماعية تضم مئات الجثث
تركيا تعلن اعتقال متهم قام بتسليم قياديين سوريين معارضين لنظام الأسد
العثور على مقبرة تضم رفات شخصين بريف حمص
السفارة السورية ببيروت : نتابع تداعيات قصف اسرائيلي تسبب بمقتل سوريين جنوب لبنان
الداخلية : ضبط شحنة مخدرات كبيرة على الحدود اللبنانية أثناء محاولة دخولها سوريا


