صوت سوريا

انحسار الهامش: قراءة في تراجع الحريات الإعلامية في سوريا ما بعد التحول (2024-2026)

02.04.2026 | 15:58

من "وهم الصحافة" إلى هندسة الانغلاق البيروقراطي

شهدت الجغرافيا السورية بعد سقوط النظام السابق في أواخر عام 2024 تحولاً بنيوياً تمثل في "انفتاح ديمقراطي هائل لكنه هش"، سرعان ما واجه محاولات لإعادة الإغلاق عبر "هندسة بيروقراطية" ممنهجة.

لفهم هذا التحول، يجب تفكيك ما كان يُعرف بـ "وهم الصحافة"  قبل عام 2024؛ حيث كان العمل الإعلامي مجرد واجهة تجميلية لسلطة شمولية تعتبر حتى أسعار السلع الأساسية قضايا سيادية.

 ففي عام 2023، كان إعداد تقرير عن "أسعار البندورة" يُعد "إنجازاً مهنياً" يُكافأ عليه الصحفي، لكون هذا الملف مرتبطاً عضوياً بـ "القصر الجمهوري" وبنية الأمن القومي، مما جعل المساس به مغامرة غير مأمونة العواقب.

عقب الانهيار الهيكلي للنظام القديم، انطلقت حقبة "النشوة المؤقتة" (كانون الاول 2024 - يناير 2026)، حيث انتقل الصحفي من دور "المطبل" إلى دور "المراقب الاستراتيجي".

تجلى ذلك في كسر المحرمات السياسية، مثل استضافة معارضين بارزين ككمال اللبواني من قلب دمشق، وإجراء استطلاعات رأي حقيقية تتناول أداء الحكومة والقرارات السيادية. إلا أن هذا الفضاء العام بدأ يضيق مع صعود سلطة جديدة تسعى لاستبدال "الخشن" بالـ "ناعم"، والانتقال من القمع الأمني المباشر إلى "التدجين الإداري".

ميكانزمات القمع الجديد: إطار "الردع الرقمي" والضغط بالوكالة

في محاولة لتجنب الإدانة الدولية وتكلفة القمع التقليدي، تبنت السلطة الجديدة نموذج "الردع الرقمي"،  تعتمد هذه الاستراتيجية على استبدال الاعتقال المباشر بـ "الاغتيال المعنوي" عبر "الذباب الإلكتروني" أو ما يمكن وصفه بـ "قمامة السوشيال ميديا".

ذا "القمع غير الحركي" يهدف إلى عزل الصحفي وتدمير رأس ماله الاجتماعي دون ترك أثر قانوني يدين الدولة.

 

استراتيجيات "الردع الرقمي" والضغط الاجتماعي:

الاغتيال المعنوي الممنهج: استهداف السمعة الشخصية والكرامة الإنسانية للصحفي لدفعه نحو الرقابة الذاتية.

القمع الاجتماعي بالوكالة: ممارسة ضغوط غير مباشرة عبر عائلة الصحفي ومحيطه. فبدلاً من استدعاء الصحفي أمنياً، يتم تحويل حياته الأسرية إلى جحيم من القلق، مما يدفع الأهل (مثل حالة والدة الصحفي حسن) لممارسة ضغط عاطفي عليه للتوقف، وهو أسلوب "خنق" اجتماعي يتجاوز الأدوات القانونية.

إعادة إنتاج "الهيبة": تسييس المطالب الخدمية، حيث يُعتبر انتقاد قطاع الكهرباء أو الخدمات مساساً بـ "هيبة الدولة"، تماماً كما كانت "البندورة" مرتبطة بالقصر سابقاً.

المؤسسة والإعلام: "مدونات السلوك" كأداة للإقصاء الاستراتيجي

تعمل وزارة الإعلام حالياً وفق ما يمكن تسميته "محور الشرعية الزائفة"، حيث تهمش الكوادر الأكاديمية والمهنية لصالح طبقة جديدة من "المؤثرين". والمفارقة الاستراتيجية الصارخة تكمن في "مدونة السلوك الإعلامي"، التي لم تُصغَ من قبل خبراء، بل من قبل "بلوجرز" ومؤثرين يتبنون خطاباً طائفياً وعنصرياً محرضاً، مما يجعل المدونة أداة للإقصاء لا للتنظيم.

يشمل هذا التهميش أيضاً الصحفيين "العائدين" أو القادمين من مناطق كانت خارج السيطرة مثل إدلب، الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة "جدار بيروقراطي" يفضل "المؤثر التابع" على "الصحفي المتخصص"، في عملية "إزاحة مهنية" تخدم أهداف السلطة التنفيذية.

"إن غياب المعايير المهنية الواضحة وتعميم 'الخطوط الحمراء' المبهمة يترك الصحفي في حالة من عدم اليقين القانوني. المفارقة تبلغ ذروتها عندما يقوم 'مؤثر' عُرف بخطاب الكراهية بالتحاضر حول الأخلاقيات المهنية، بينما يُحظر الصحفي المهني الذي يحاول كشف هذا التناقض، مما يؤكد أن الهدف هو بناء 'بروباغندا رقمية' بوجوه جديدة."

دراسة حالة: إيقاف التراخيص وسياسة "الخنق الإداري"

يمثل قرار إيقاف تراخيص منصات إعلامية (مثل منصة هاشتاغ) ذروة "التراجع الإداري". فبدلاً من الشفافية القضائية، استندت الوزارة إلى اتهامات فضفاضة بوجود "150 رابطاً" مخالفاً، دون تقديم دليل واحد للرأي العام.

وفي موقف يعكس الثبات المهني أمام السلطة، أعلن الصحفيون المتضررون استعدادهم "للتبرؤ من منصاتهم واعتزال المهنة" فوراً إذا تم تقديم دليل حقيقي واحد يثبت التجاوزات الأخلاقية المدعاة، وهو ما لم تفعله الوزارة، مما يثبت أن القضية هي "عقوبة سياسية" بغطاء إداري.

مقارنة تحليلية: المطالب المهنية مقابل الإجراءات الإدارية

المطالب المهنية للصحفيين

الإجراءات الإدارية للسلطة (2025-2026)

التقييم الاستراتيجي

تحديد واضح ومعلن للخطوط الحمراء

استخدام مصطلحات مطاطة ("تجاوزات أخلاقية")

غياب اليقين القانوني

الشفافية القضائية وعرض الأدلة

إيقاف التراخيص ببيانات مبهمة (الـ 150 رابطاً)

غياب المراجعة القضائية

الحماية من التنمر والابتزاز الرقمي

غض الطرف عن "الذباب الإلكتروني" الموجه

الاستثمار في "الاغتيال المعنوي"

ممارسة دور "السلطة الرابعة"

مطالبة الإعلام بتبني دور "المطبل" الجديد

إعادة إنتاج "إعلام السلطة"

 

مأزق العمل النقابي: من التبعية إلى "الاحتكاك المؤسساتي الناشئ"

تمر نقابة الصحفيين بمرحلة انتقالية حرجة؛ فبعد عقود من التبعية العضوية لحزب البعث والأجهزة الأمنية، بدأت تظهر ملامح "احتكاك مؤسساتي ناشئ" ولأول مرة، سُجل موقف للنقابة يستهجن قرارات وزارة الإعلام بإيقاف المنصات، وهو ما يمثل قطيعة جزئية مع إرث "النقابة الأداة".

ومع ذلك، يظل التحدي في قدرة النقابة على التحول إلى "حكم مستقل" يحمي الصحفي من تغول السلطة التنفيذية، ومنع عودتها لتكون مجرد ذراع إداري لتمرير قرارات القمع.

إن المشهد الإعلامي السوري اليوم يقف أمام محاولة "مأسسة الخوف" عبر أدوات تقنية وبيروقراطية.

إن بناء دولة حقيقية لا يستقيم مع استبدال "المحقق الأمني" بـ "الذباب الإلكتروني"، ولا مع تهميش الكوادر المهنية (بما في ذلك صحفيو إدلب) لصالح "جوقة مؤثرين" يفتقرون للحد الأدنى من المعايير الأخلاقية. الكرة الآن في ملعب السلطة لتقرير ما إذا كانت تريد إعلاماً يراقب الفساد ويؤصل للشرعية، أم "أدوات تزمير" تعيد إنتاج الانغلاق بأساليب القرن الحادي والعشرين.

والخلاصة بان المسار الإعلامي السوري انتقل من مرحلة "الانسداد المطلق" (وهم الصحافة المرتبط بالقصر)، إلى "انفتاح واسع" اتسم بكسر المحرمات، وصولاً إلى مرحلة "التضييق الممنهج" الحالية التي تعتمد "الخنق الإداري" والقمع الرقمي بدلاً من المواجهة الأمنية المباشرة، مما يهدد بإفراغ التحول الديمقراطي من محتواه.


TAG:

سيول الحسكة تكشف مقابر جماعية تضم مئات الجثث

اعلن المتحدث باسم الوفد الرئاسي لتطبيق الاتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية"، أحمد الهلالي، ان السيول التي اجتاحت في الحسكة خلال الأيام الاخيرة، كشفت عن مقابر جماعية في منطقة الشدادي، تضم مئات الجثث مجهولة الهوية.