صوت سوريا

خصخصة المشافي الحكومية في سوريا: بين الوعود الاستثمارية والواقع الميداني

12.04.2026 | 23:32

السياق الاستراتيجي لقطاع الصحة السوري

في تحولٍ دراماتيكي يعيد رسم ملامح العقد الاجتماعي في سوريا، تندفع حكومة أحمد الشرع نحو تفكيك نهائي لنموذج "الدولة الراعية" لصالح خصخصة متسارعة لقطاع الصحة، تحت مسميات "الاستثمار" و"التشاركية".

هذا التحول لا يمثل مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل هو إعلان صريح عن خروج الدولة من التزاماتها الخدمية الأساسية.

وبينما يروج طلال الهلالي، مدير هيئة الاستثمار السورية، لخطة طرح 71 مشفى حكومياً للاستثمار الخاص بصفة "مشغل" ، يبرز تناقض فج في الخطاب الرسمي؛ إذ تدعي الحكومة أنها "تبني قطاع الصحة من الصفر"، في حين أنها عملياً تقوم بتسليم أصول ومرافق قائمة بالفعل، بناها السوريون بضرائبهم وجهدهم على مدار عقود، لتكون لقمة سائغة للمستثمرين.

هذا الخطاب الذي يحاول تسويق "تصفية الأصول" كعملية "بناء إعجازي"، يصطدم بحقائق ميدانية تؤكد أن القطار قد غادر المحطة فعلياً قبل صدور القرارات الورقية.

شهادة المصدر: فجوة التوقيت بين الإعلان والتنفيذ

تكشف الشهادات الحية من قلب المؤسسات الصحية أن الجداول الزمنية التي تعلنها الحكومة ليست سوى "تغطية إجرائية" لواقع فُرض بقوة الأمر الواقع منذ أمد.

فبينما يُمنّي الخطاب الرسمي المواطنين ببدء "التطوير" في مطلع عام 2026، تفضح المعطيات الميدانية وجود هوة زمنية تزيد عن عشرة أشهر بين البدء الفعلي لعمليات الاستحواذ وبين الإعلان عنها.

إن الحفاظ على سرية المصادر الميدانية هنا ليس خياراً مهنياً فحسب، بل هو ضرورة لحماية من كشفوا "التواطؤ الصامت" في تسليم المرافق العامة.

وتتلخص فجوة التوقيت والوضع القانوني في النقاط التالية:

التنفيذ الاستباقي: تؤكد المعطيات أن عمليات "جس النبض" والإدارة غير الرسمية بدأت منذ نحو 10 أشهر، مما يجعل من موعد 2026 مجرد "ترسيم" لسيادة المستثمر القائمة فعلياً.

تجاوز الأطر التشريعية: جرت تحركات تشغيلية كبرى وتغييرات في الهياكل الإدارية قبل استكمال الأطر القانونية المعلنة، مما يشير إلى وجود "ضوء أخضر" سياسي يتجاوز الإجراءات البيروقراطية.

سياسة "الأمر الواقع": يتم التعامل مع المشافي المختارة كملكية خاصة للمستثمر قبل انتقال الملكية رسمياً، في عملية تصفية هادئة للقطاع العام بعيداً عن الرقابة الشعبية.

دراسة حالة: مشفى جراحة القلب (الباسل) في مشروع دمر (الاستثمار التركي)

يمثل مشفى "الباسل" في منطقة مشروع دمر بدمشق النموذج الصارخ لما يمكن تسميته "انتقاء الكرز"  من قبل المستثمرين الأجانب. فاختيار هذا المشفى تحديداً لم يكن عبثياً، بل جاء نتيجة موقعه الاستراتيجي في منطقة ذات قوة شرائية عالية، ما يضمن للمستثمر التركي الذي وضع يده على المنشأة تحويل الخدمة الطبية إلى سلعة باهظة الثمن.

لقد وثقنا انتقال إدارة المشفى بشكل كامل للمستثمر التركي، الذي بدأ ممارسة صلاحياته كصاحب قرار مطلق منذ أشهر، قبل أن يتم الإعلان عن ذلك بصفة نظامية مع بداية عام 2026.

وتتلخص الصدمة الميدانية في أن "القرار داخل أروقة المشفى لم يعد سيادياً أو مرتبطاً بوزارة الصحة؛ بل إن الصدمة الحقيقية تكمن في إدراك الكوادر أن الوزارة قد تنازلت فعلياً عن سلطتها لصالح كيان استثماري أجنبي، وبات المستثمر هو من يرسم السياسات ويوظف ويسرح وفقاً لمعاييره الربحية البحتة".

الأثر التشغيلي والبشري: مصير الكوادر الطبية الوطنية

خلف وعود "الخدمة المتميزة" تكمن مأساة إنسانية ومهنية بطلها الكادر الطبي السوري. فقد انتهج المستثمر الجديد في مشفى دمر سياسة "تفريغ" ممنهجة، هدفت إلى إزاحة الكوادر الوطنية التاريخية وإحلال "فرق موالية" أو كوادر خاصة بالمستثمر لضمان السيطرة التامة.

ملامح "التهجير الوظيفي" والفرز الطبقي:

النقل القسري: تم إفراغ المشفى من معظم طاقمه السوري، لا سيما قطاع التمريض، وتوزيعهم قسرياً على مشافي الأطراف أو مشافي مكتظة مثل (الهلال، ابن النفيس، المجتهد، والكلية). هذا الإجراء لم يراعِ المسافات الشاسعة عن أماكن سكنهم، مما دفع الكثيرين للاستقالة أو العيش في ظروف مهنية قاسية.

استقدام "الفرق الخاصة": بدلاً من الكوادر الوطنية، قام المستثمر "بجلب ناسه" وفريقه الخاص لإدارة المفاصل الحيوية، مما أدى لظهور نظام صحي طبقي داخل المنشأة الواحدة.

المقايضة المجحفة: يطرح المستثمر رواتب تبدو للوهلة الأولى "عالية" مقارنة بفتات الرواتب الحكومية، لكنها مشروطة ببيئة عمل إقصائية وشروط دوام صارمة تهدف في النهاية إلى "تطفيش" ما تبقى من الكوادر العامة المتمسكة بحقوقها الوظيفية.

الخلاصة والاستشراف المستقبلي

إن المفارقة المثيرة للسخرية تكمن في ادعاء الحكومة أنها "تبدأ من الصفر" في قطاع الصحة، بينما الواقع يؤكد أنها تمنح "مفاتيح" منشآت جاهزة ومجهزة لمستثمرين يبحثون عن الربح السريع على حساب الكوادر المهجرة والمواطن المفقر. إن نموذج "مشفى دمر" ليس سوى رأس جبل الجليد؛ فخسارة سيادة الدولة على هذا المرفق الحيوي هي البروفة الأولية لما سيحدث لـ 70 مشفىً أخرى قيد الانتظار.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام عملية تطوير للقطاع الصحي أم نحن أمام "خصخصة تصفوية" تبيع الأصول العامة لجهات خارجية تحت ستار الاستثمار؟ إن الشواهد الميدانية تؤكد أننا بصدد استبدال هيكلي شامل، يتم فيه التضحية بالخبرات الوطنية وتحويل الحق الإنساني في العلاج إلى استثمار عقاري وتجاري، تاركين السواد الأعظم من السوريين بلا غطاء صحي حقيقي في مواجهة نموذج استثماري لا يعترف إلا بلغة الأرقام.

 


TAG: