المضحك المبكي

زنوبيا سيدة الرجال وملكة الشرق كيف حاربت .. وكيف كانت نهايتها ..؟

07.02.2019 | 15:24

في العام 1885 رسم الفنان الإنكليزي هربرت غوستافي لوحةً بعنوان ((شموخ زنوبيا ...)) انطلق الرسام الإنكليزي من هذا العنوان ليصف زنوبيا السورية التدمرية التي بقيت شامخة مرفوعة الرأس رغم أغلال امبراطورية روما التي كبلت أيديها وأرجلها، بسبب رفضها الخضوع لها، وأعلنت عصيانها واستقلال مملكتها عنها وبدأت بصك النقود الخاصة بالمملكة التدمرية بعد إزالة صورة امبراطور روما عنها.

هذا الجنوح للاستقلال، وقصة زنوبيا التي وقفت بوجه روما، دغت "غوستافي" لرسم زنوبيا، على هذا الشكل الجميل، الذي نتباهى به نحنُ كسوريون أن تكون مملكة تدمر جزءاً من تاريخ سوريا القديم.

وفي الحقل المخصص للحديث عن السياحة السورية، الذي كانت تخصصه جريدة المضحك المبكي كل أسبوع في مجلتها، كتب الدكتور يوسف سمارة، مقاله الذي حمل عنوان "زنوبيا سيدة الصحراء" نشر في العدد 1013 من مجلة المضحك المبكي الصادرة بتاريخ 16/12/1962، جاء في المقال:


زنوبيا سيدة الصحراء ..

عندما تصفر الرياح ليلا في تدمر مدينة الاساطير وتلف العواصف الرملية العمد والهياكل والمدافن راقصة حولها كالجنيات يتهامس ابناء الصحراء: "انها زنوبيا تلاعب قيثارتها".

وعندما يسحب الفجر غلائله على المدينة المجيدة النائمة وتستيقظ الالوان الوردية والبنفسجية في النقوش والاشكال يتثاءب جمال مخدر ناعم في كل مكان فيتمتم السائح المبكر "انها زنوبيا ترتدي ملابسها وتتعطر لاستقبال الصباح".

زنوبيا المجد الذي هز الصحراء حتى ابعد اطرافها ذات يوم ثم سرعان ما زال كحلم، كغيمة، كسراب.

وساد دنيا الرمال منذ مئات السنين سكون يشبه الموت.

ولكن الصحراء ما تزال تحن الى ضجيج الجيوش تقودها المرأة التي كانت سيدة الرجال وحامية الشرق.

وقد روى التاريخ عن نساء لعبن ادوارا رئيسية على مسارح السياسة ولكنه لم يرو عن واحدة منهن فاقت زنوبيا جرأة ودهاء وجمالا وثقافة.

بين اوراقي وعلى غير موعد التقت منذ ايام خمس دراسات عن زنوبيا، ثلاث منها لكتاب أجانب هم: ايفار ليسنر والبرساندوروفولتر كراوزه، ودراستان سوريتان واحدة للاديبة سلمى الحفار الكزبري في كتابها: نساء متفوقات وثانية للكاتب جبرائيل غزال.

يقول ليسنر في تقديمه لشخصية زنوبيا: "إنها ربما كانت اعظم ملكة في التاريخ القديم".

قد يبدو هذا الحكم مبالغا به للوهلة الاولى لاسيما وان حكم زنوبيا لم يدم اكثر من خمس سنوات وانها تسببت آخر الامر في خراب تدمر عروس الصحراء. ولكن العظمة لا تحسب بعدد السنين وليس مقياسها النجاح او الخسار.

هل زرت تدمر المنعزلة في قلب البادية السورية وشاهدت عمدها المحطومة وما بقي من هياكلها وقصورها ومدافنها؟ انها كلها تقص عليك حديث مجد باذخ وروعة غير مألوفة.

وقد كانت تدمر تقاطعا هاما للطرق يقع على منتصف المسافة بين الفرات والبحر ويربط مدن الخليج العربي بمدائن البحر المتوسط. وفيها كانت تلتقي قوافل العالم القديم بقوافل الشرق الاوسط تتبادل أنفس السلع تحملها من اديسا الى العاصي ومن دورا او يروبوس الى تدمر. كانت الاقمشة الحرير والبخور والعاج وثروات الارض تعرض في اسواق تدمر الى جانب الحجارة الثمينة واللآلئ.

وكانت سبعمئة وخمسون عمودا تتألق في النور أمام معبد الشمس وقوس النصر.

ولكن تدمر لم تكن مدينة نشيطة هامة فحسب ولكنها طمحت ذات يوم من تاريخها ان تصبح قوة عالمية بحيث تستولي على اعنة العالم القديم.

وقد تكون حلم السيطرة والمجد هذا في خيال امرأة موهوبة فأدخلها رحاب التاريخ من اوسع ابوابه: زنوبيا.

كانت زوجة أذينة امير تدمر، وأذينة هو الذي تقلد شارات القنصلية وكان عونا كبيرا للرومان. ولما هزمت فارس الامبراطور فاليريان وأسرته نهض أذينة لمقاتلة سابور واضطره الى الانسحاب عبر الفرات. ووجد فيه غاليانوس خير من يعهد اليه بقيادة الجيوش الرومانية في سوريا فمشى أذينة على رأس هذه القوات واخذ يستعيد بلاد ما بين النهرين حتى وصل الى ستيزيفون وطار ذكر أذينة فمنحه الامبراطور اعترافا منه بجميله لقب "دوكس" ثم لقب امبراتور وتشير اليه النقوش باسم مصلح الشرق كله.

وكان أذينة مع اعترافه بسلطة الامبراطور يدعو نفسه ملكا وكان يحكم في الواقع الشرق الروماني بأسره ما عدا مصر وآسيا الصغرى.

ومات مقتولا في حمص "ايميزا" هو وابنه خيران في ظروف ظلت غامضة فتسلمت ارملته زنوبيا أعباء السلطان باسم ابنها وهب اللات.

وكانت زنوبيا رائعة وصفها تريبليوس يوليو المؤرخ الروماني "بأنها اجمل بكثير من كليوباترا، سمراء ذات اسنان كأنها لؤلؤ وعينين بارقتين بفتنة لاهبة لا مثيل لها".

ولكن التاريخ لم يخلد زنوبيا لجمالها الفريد بل من اجل حكمتها ومقدرتها اللتين تفوقت بهما على الرجال. كانت تعرف كيف تتخلص من ضباطها غير المرغوب فيهم وكانت تمشي اميالا على رأس جندها رافعة الرأس.

ولما رفض غاليانوس الاعتراف لابنها وهب اللات بالالقاب التي كانت من حق ابيه أذينة ثارت زنوبيا في وجه روما وانتصرت على جيوش (هيرا كليانوس) ثم اخذت توطد سلطان تدمر مستعينة برأي رئيس وزرائها لونجين.

وفي سنة 269 بينما كان الامبراطور كلود يقاوم غزوات الغوط سيرت زنوبيا قواتها بقيادة "زيدا" فاستولت على مصر ثم على آسيا الصغرى.

وحين وصل الجيش التدمري عام 270 الى بيثيني اضطر اوريليانوس خليفة كلود الى موافقة زنوبيا وأقر ألقاب وهب اللات. غير أن الملكة الطموح المنتصرة لم تقتنع بذلك فقلدت ابنها عام (271) رتبة اوغسطوس وتقلدت هي رتبة اوغسطا ثم اعلنت استقلالها التام عن روما وسكت نقودا باسمها وباسم وهب اللات.

وبذلك جرحت كبرياء روما واخافتها على مصيرها ولم يبق امام اوريليانوس سوى تجهيز حملة ضخمة ضد القوات التدمرية. مشى القائد بروبوس بقسم منها فاحتل مصر ومشى الامبراطور على رأس القسم الآخر مقتحما آسيا الصغرى فاستولى على ثيان وظل يتبع الجيش التدمري حتى تغلب عليه اولا في انطاكية ثم في حمص حيث الحق به هزيمة كبرى واضطرت زنوبيا وزيدا الى الانكفاء لتدمر ولكن اوريليانوس تابع نصره فتعقب البقية الباقية من الجند المهزوم الى هناك وحاصر المدينة.

وطال مدى الحصار دون جدوى واستعمل التدمريون آلات للدفاع لا يعرفها الرومانيون تقذف النار والقصدير المذوب عن بعد فألقت هذه الآلات الرعب في صفوف الجيش المحاصِر.

ولما خشي الامبراطور ملل جنده حاول ان يعرض على الملكة زنوبيا صلحا مقبولا فأوفد رسوله الى المدينة فوجد زنوبيا لابسة البزة العسكرية وهي على رأس جيشها تدافع معهم عن اسوار المدينة وقدم الرسول لها خطاب الامبراطور فامرت احد ضباطها بفض الرسالة وقراءتها واذا هي تقول:

من اورليان امبراطور روما الى زنوبيا ملكة تدمر:

لقد دامت هذه الحرب كثيرا فإذا كنت تودين ان تبعدي عن مدينتك اهوالها ونتائجها المؤلمة فما عليك الا ان تستسلمي وعندئذ تكون حياتك وحياة افراد عائلتك مصانة وسأعين لك محل اقامتك بالاتفاق مع مجلس شيوخ روما وأضيف على ذلك بأن تدمر ستحافظ على حريتها الادارية والاقتصادية كما هي عليه في السابق وان اموالك واموال عائلتك مصانة.

ولكن زنوبيا عندما سمعت نص هذا الكتاب ثارت ثائرتها وأملت الكتاب التالي باللاتينية.

من زنوبيا ملكة الشرق الى اورليان اوغست:

لم يجرؤ أحد قبلك ان يرسل لي طلبا كهذا، اعرف ايها الروماني بأنه لا يمكن للانسان ان يحصل على اي فخر بدون تضحية فكيف تجرأت ان تتقدم بهذا العرض وان تحاول اقتحام مدينة تدمر التي لا يمكن اقتحامها.

ايها الامبراطور المتعجرف انك تود الحصول على انتصار لتعود الى روما وتطلب الى شعبك ان يمجدك ويخلد انتصاراتك، هل نسيت ان كليوباترا فضلت الموت على ان تكون اسيرة ولو في قفص من ذهب فلا تنتظر مني شيئا إلا انني سأحارب الرومان ولا يفرحني شيء مطلقا قدر ما يفرحني ان اراهم قد قتلوا عن بكرة أبيهم واحيطك علما ان حليفي ملك الفرس الذي صنع من سلفك مطية يدوسها لامتطاء جواده سيرسل لي جيوشه قريبا فلترتعش روما لأن تدمر صامدة وقوية، وأبعد عنك هذا الحلم ان تظهر أمام معابدي واعلم بأن العشائر ستهاجم جيوشك وتقتل عساكرك ولا تنس ايها الامبراطور بأنني انتظر مساعدات هامة من كل جانب وعندما ترى في الافق هذه الجيوش قادمة لمساعدتي عندئذ ستعلم ان هذه الكبرياء في راسك ستزول وان تدمر لن تكون مستعمرة لأحد.

أغاظ هذا الجواب امبراطور روما الذي دوخ الشرق والغرب فشدد هجماته على المدينة ومنع دخول المؤن والاسلحة وبعد اشهر من الحصار اخذ التدمريون يشكون وطأة الفاقة وتوقفت القوافل عن دخول تدمر وتأخرت النجدات التي كانت تنتظرها ولكن ملكة الشرق لم تيأس فأفلتت ذات ليلة وتمكنت من اختراق الخطوط الرومانية واسرعت شرقا باتجاه ملك الفرس لكي تطلب معونته وتعود بالنجدات الضرورية لملاقاة الجيوش الرومانية غير انها لم تكد تصل الى صنعة الفرار حتى كان فرسان الرومان قد لحقوا بها ففشلت خطتها وقبض عليها وأرجعت أسيرة الى معسكر الامبراطور.

عندئذ استسلمت تدمر واستولى اوريليانوس على كنوز الملكة السيئة الحظ واقتاد اسيرته معه الى روما ليعرضها عند عودته اليها تمجيدا لانتصاراته وأبقى في تدمر بعد رحيله عنها حامية صغيرة فما ان وصل الى اوروبا حتى ثارت ثائرة تدمر المقهورة انتقاما لمليكتها فقتلت قائد الحامية الرومانية وجنده وعاد اوريليانوس من البوسفور لا يلوي الى تدمر ودخلها واسلمها للنهب والخراب ودك اسوارها وبذلك اضمحلت أبهة عروس الصحراء وحبا بريق مجدها الى الأبد.

واحتفلت روما عام 274 بعودة القائد الظافر احتفالا عظيما ولكن الشعور العالمي اهتز حزنا لمرأى زنوبيا الملكة الباسلة تمشي مكبلة في معرض النصر. كانت السلاسل التي قيدت بها من الذهب الخالص وكانت ترتدي افخر ثيابها وانفس جواهرها وقد خرجت روما بأسرها غير مصدقة انها ترى الملكة التي اصبحت اسطورة تسير على خطوات انظار الفضوليين.

ويقال ان زنوبيا عاشت سنينا كثيرة بعد ذلك في قصر بموقع تيفولي ويقال أنها تآمرت وهي هناك مع اعداء روما على حياة اوريليان في سبيل اعادة استقلال تدمر وحريتها لها فشعر اوريليان بما تدبره له في الخفاء وخشي العاقبة فأمر بقتلها.

وبذلك يختفي نجم شرقي رائع في ظلام التاريخ.

اعداد : سيريانيوز


صدرت مجلة المضحك المبكي في دمشق عام 1929، وهي مجلة سياسية كاريكاتورية اسبوعية من اشهر المطبوعات السياسية الساخرة في الوطن العربي ، ويمكن اعتبارها هي من اسس الكوميديا السياسيّة على الساحة السورية ( وربما العربية). اصدرها الصحفي حبيب كحالة ( 1898 – 1965 ) وهو درس التجارة والاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت. أنشئ كحالة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي مطبعة حديثة بدمشق لطباعة المجلة، وكانت تقع في شارع الملك فؤاد الأول، استمرت هذه المجلة في الصدور إلى عام 1965 ، وقامت "الجهات المعنية" بإغلاق المجلة وإلغاء ترخيصها وذلك عام 1966.


TAG: