يقدم الكاتب ورئيس التحرير نضال معلوف تحليلاً عميقاً للأوضاع الراهنة في سوريا تحت قيادة الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، مستعرضاً مجموعة من القضايا الجوهرية التي تمس حقوق الإنسان، والأمن الغذائي، والتركيبة البنيوية للسلطة. يتناول التحليل الفجوة المتزايدة بين ممارسات السلطة وتطلعات الشارع السوري، محذراً من تحول الدولة إلى "عقلية البسطة" في الإدارة.
قضية الاختفاء القسري وانتهاكات حقوق الإنسان
أثار نضال معلوف ملفاً حساساً يتعلق باختفاء نحو 300 شاب قسرياً، حيث أكدت شهادات عائلات المعتقلين انقطاع التواصل مع أبنائهم الموقوفين لدى جهات أمنية (مثل الأمن السياسي في ريف دمشق) منذ فترات طويلة.
النقاط الرئيسية في ملف المعتقلين:
- الفرع 202: كشف معلوف أن الرقم "202" ليس رقم ملف، بل هو اسم الفرع الأمني التابع لإدارة الشرع المسؤول عن هذه الاعتقالات.
- سجن حارم: تشير المعلومات إلى نقل المعتقلين من الفروع الأمنية في دمشق إلى سجن حارم في إدلب، وهو سجن يوصف بـ "سيء الصيت".
- غياب الحقوق القانونية: ينتقد معلوف استمرار ممارسات الإخفاء القسري دون توجيه تهم واضحة، أو عرض المعتقلين على القضاء، أو تأمين حق توكيل محامٍ وتواصل الأهل مع أبنائهم، معتبراً أن هذه الممارسات لا تختلف عن نهج نظام الأسد السابق.
أزمة القمح والسياسات الاقتصادية: لقمة العيش كأداة سياسية
شهدت محافظات الرقة والحسكة وحماة احتجاجات شعبية واسعة نتيجة تسعير طن القمح بسعر وصفه الفلاحون بـ "غير العادل"، كونه لا يغطي تكاليف الإنتاج.
تداعيات أزمة التسعير:
- احتجاجات الشارع: وصلت الاحتجاجات في الرقة إلى اقتحام مقر المحافظ ورفع شعارات تطالب بإسقاط الحكومة والوزراء.
- غياب التخطيط: يتساءل معلوف عن غياب الخبراء الاقتصاديين والدراسات الاجتماعية قبل اتخاذ قرارات تمس الأمن الغذائي.
- التراجع تحت الضغط: يشير التحليل إلى أن استجابة الشرع برفع السعر نتيجة الاحتجاجات تكرس فكرة أن "الشارع هو الوسيلة الوحيدة لمراجعة القرارات"، مما يضع السلطة في مأزق أمام قطاعات أخرى متضررة (مثل قطاع الكهرباء).
نقد العقلية الإدارية: "إدارة الدولة بفكر التاجر"
ينتقد نضال معلوف بشدة الشخصيات التكنوقراطية والمستشارين الاقتصاديين في الإدارة الحالية، مخصصاً بالذكر السيد مازن ديروان (رئيس اتحاد غرف الصناعة ومستشار وزارة الاقتصاد).
مفهوم "عقلية البسطة":
- الربحية مقابل الخدمة: يرى معلوف أن المسؤولين الحاليين يتعاملون مع الخدمات الأساسية (كالكهرباء) كمنتجات تجارية بحتة. فالمسؤول الذي يقول: "من لا يملك ثمن الكهرباء لا يشتريها، تماماً كمن لا يملك ثمن الخيار والبندورة"، يفتقر لروح "رجل الدولة" المسؤول عن تأمين الحد الأدنى للعيش الكريم.
- غياب الكفاءة: يوصف المسؤولون بأنهم "بسطاطية" (أصحاب بسطات) يديرون ميزانية الدولة لتحقيق وفر مالي على حساب تجويع وتجهيل المجتمع، بدلاً من إدارة اقتصاد معقد في ظروف انتقالية.
جذور المشروع: من "الجهاد العالمي" إلى السلطة
يعود نضال معلوف إلى تاريخ أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) من خلال لقاء أجري معه عام 2013، ليحلل طبيعة المشروع الحاكم حالياً.
تحليل أيديولوجيا السلطة:
|
وجه المقارنة |
مشروع الجهاد العالمي (2013) |
الخطاب الحالي (2024) |
|
المنطلق |
ثمرة للجهاد العالمي (أفغانستان، العراق، مصر) |
بناء دولة قانون ومؤسسات |
|
الهدف |
الخلافة الإسلامية ورؤية دينية |
رئاسة دولة مدنية سورية |
|
المرجعية |
تنظيم القاعدة والقيادات الجهادية الدولية |
التظاهر بالبراغماتية السياسية |
تساؤلات معلوف حول التحول: يشكك معلوف في قدرة الشرع على تغيير عقيدة 20 إلى 30 ألف مقاتل وجهادي نشأوا ضمن مشروع "الجهاد العالمي". ويرى أن هؤلاء الجهاديين يسيطرون اليوم على مراكز القرار في الوزارات والمشافي والبلديات، مما يجعل فكرة "التحول للدولة المدنية" مجرد واجهة مؤقتة.
الموقف الدولي والتحولات السياسية
تناول التحليل الخطوات الدولية الأخيرة، مثل رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات عن وزارتي الدفاع والداخلية، وتسمية سفير سوري في كندا.
- سياسة الاحتواء: يفسر معلوف رفع العقوبات بأنه وسيلة دولية لـ "تبريد" الصراع والدخول إلى مفاصل الإدارة لمراقبتها من الداخل، وليس اعترافاً بشرعيتها.
- سفارة كندا: يوضح معلوف أن تسمية سفير لا تعني تعيينه الفعلي، فالأمر يتطلب موافقة الدولة المضيفة وافتتاح السفارة المغلقة، وهو ما لم يحدث رسمياً وبشكل نهائي بعد.
الواقع الاجتماعي والأمني
يرصد معلوف حالة من التدهور الأمني والاجتماعي المتمثلة في:
- انتشار الجريمة: زيادة ملحوظة في حوادث السرقة (النشل والموتورات) وفشل الأجهزة الأمنية في ضبطها نتيجة نقص الخبرة أو التجهيزات.
- هدم الذاكرة السورية: يرى معلوف أن هناك محاولات لزرع صورة ذهنية بأن السوريين كانوا "في كهف" قبل وصول هذه الإدارة، في محاولة لإعادة هندسة المجتمع وتفكيك هويته التاريخية.
الخلاصة
يخلص نضال معلوف إلى أن سوريا تعيش "أزمة هوية إدارية"؛ حيث تتصارع عقلية "الجهاد العالمي" مع متطلبات بناء "دولة القانون". ويرى أن القرارات المرتجلة وتهميش الخبراء والاعتماد على الولاءات الجهادية يضع الدولة على حافة الانهيار المؤسساتي، مما يستدعي وعياً شعبياً بضرورة المطالبة بـ "بداية العملية الديمقراطية" وتطبيق معايير المرحلة الانتقالية بعيداً عن عقلية احتكار القرار والقوة.






















