وجهة نظر مع نضال معلوف

كيف رفعت الحكومة سعر البنزين ونحن مبسوطين..!؟

15.05.2019 | 22:01

لا يخشى النظام اي ثورة، فبعد كل الذي حصل هو يعلم بان الناس في سوريا يفضلون الموت جوعا على ان يخرجوا للشوارع مرة اخرى، ولكن كحال كل الانظمة الديكتاتورية يبقى لدى الديكتاتور رغبة دفينة بأن يبقى "الاب" القائد.. صنما موجودا "رمزا" لا يمكن ان يزول..

 ببساطة الحكومة لم يعد لديها القدرة على تحمل فاتورة الدعم الكبيرة، مليارات الدولارات تصرف سنويا لدعم المواد الاساسية، وامام نقص الموارد وعبء الالتزامات العسكرية والامنية المتزايد فان الجدوى في صرف مبالغ الدعم على "رضى الناس" تضاءلت، وتغيرت الاولويات.

ولكن ماذا لو سحبت الحكومة الدعم بقرار مباشر، واستيقظ الناس في صباح يوم على اعلان رفع اسعار البنزين والمازوت والغاز والخبز..

لن يثور الناس ويخرجوا للشوارع هذا مؤكد.. ولكنهم سيهمسون في السر وتهتز "الصورة" وتتأثر علاقة "الحب" الازلية بين المواطن والزعيم القائد.

لا بد اذا ان يكون رفع الدعم مطلبا شعبيا، يسعى اليه الشعب.. ويرجو ان يصبح واقعا.. ويدعو القائد ليلا وصباحا لكي يجعله واقعا.

في تنفيذ مثل هذه المهام الصعبة، النظام في سوريا يدفع مبالغ سخية لشركات تعرف باسم "شركات العلاقات العامة" تلك المختصة في تشكيل الرأي العام وتغيير اتجاهاته لان هذا "الرأي العام" يتعلق بصورة القائد وصورة القائد يجب دوما ان تبقى نقية طاهرة مقدسة، يجب ان يكون القائد دائما ظل الله "الرحيم" في الارض.

بدأت  القصة في نهاية شهر تشرين الاول الماضي، عندما انتهى اتفاق "الخط الائتماني الايراني" الذي كانت دمشق تحصل بموجبه على النفط بالمجان في مقابل وعود بتسهيلات الاستثمارات الايرانية في سوريا لاسترداد دين يقدر ب 3.5 مليار دولار.

ولكن الظروف لم تنضج بعد لاستثمارات رابحة، والازمة لم تنته والديّان (الايراني) لم يجد افق واعد لاسترداد الدين، ولم يعد مستعدا لتقديم المزيد في ظل عقوبات طالته وضيقت عليه هو الاخر.

بدأت حملة التسويق للقرار، بظهور بعض الاختناقات، وترافقت هذه الظاهرة بكتابات لأقلام مقربة من النظام تظهر كم اصبح الدعم ثقيل، وكم يكلف الدولة، وكيف ان الازمة ذهبت بالموارد.. وكيف ان الحكومة لا شك انها ستستمر في الدعم ولكن الحمل بات ثقيل.

وتتالت الازمات، المازوت ومن ثم الغاز وخرجت (لاول مرة) اقلام محسوبة على النظام تحتج وتطالب، وارسلت الكاميرات لتصور الطوابير في الحارات، وتصاعدت الازمة في الشتاء حيث كان "الغاز" الملجأ الوحيد لمواجهة البرد.. تم تعطيل حياة المواطنين.. ودفعهم لقضاء ساعات طويلة مصحوبة بالإذلال والاهانة ليتمكن الواحد منهم من الحصول على جرة غاز..

كان الهدف هو كسر هذه العادة، الحصول على سلعة بسعر "مدعوم".. اذا اردت المدعوم لن يكون الامر سهلا بعد اليوم.. نحن نوفر السلعة (مدعومة) لك بالرغم من الصعوبات والحصار والظروف الصعبة ولكن عليك ان تنتظر.. واذا كان الانتظار صعبا عليك.. ادفع سعر السوق وستحصل على طلبك دون انتظار.. دون اذلال.. دون اهانات..

كان الهدف تفكيك هذا المفهوم واسقاط اكبر شريحة ممكنة ملتصقة بالسلعة المدعومة..

دخل الرئيس بشار الاسد بعدها بكل ثقله وشرح في خطاب خاص طويل اختار ان يكون امام ممثلين عن المواطن (المجالس المحلية) باننا في معركة متعددة الوجه واهم وجه في هذه المعركة هو الوجه الاقتصادي، انها حرب وعلينا ان نقاوم.. ان الشعب في مأساة وسبب هذه المأساة ليس الحكومة.. السبب هو الحصار.. السبب هو العدو.. السبب هو اميركا..!! تدخل يليق بموقع الرئيس.. سيوفر على النظام مليارات الدولارات..

وبدأت اختناقات البنزين بعد الخطاب.. ازمة خانقة تعطلت خلالها البلاد والعباد.. على التوازي زاد "الطبل والزمر" وكثير من المواقف الكوميدية التي يحسب الواحد منا انها خطأ وعدم كفاءة في التعاطي مع الازمة.. وربما تكون كذلك.. ولكن اخذها والنفخ فيها والضحك عليها والسخرية منها.. افعال تهدف للسخرية من الازمة والتكبر عليها.. و"الجكارة" فيها وبمن سببها.. ومن يجرؤ بعد ان قال الزعيم ان السبب "اميركا" ان يشير الى غيرها..

وخرج الناس يدبكون ويغنون "جكارة" باميركا.. سننتظر ساعات وايام ولن ننكسر.. الازمة موجودة والسبب اميركا.. والحل اتى اولا عبر الحدود "كازية متنقلة" وخذ ما تشاء.. ولكن..

السعر 600 ليرة وليس السعر المدعوم 225..، وانفض عن الازمة والدبيك كل من لوقته قيمة.. وفككت الحكومة في النهاية العلاقة العضوية بين "الناس" وبين "المدعوم".. واصبح الخيار "المستحيل" في شراء الغاز، المازوت، البنزين.. وحتى الخبز.. غير المدعوم ممكنا.. خيار موجود وهناك بدائل.. واسعار وحالات تتناسب مع كل شخص وميزانيته وظروف معيشته وعمله..

اما الطبقة المسحوقة التي لا يمكنها الاستغناء عن "المدعوم" ولا يمكن ان تنتقل الى البدائل.. فلم تعد الامور كسابق عهدها.. يمكن ان تحصل على القليل الممزوج بالذل والانتظار.. قليل لا يصل الى حدا الكفاية.. قليل تعيش معه الفاقة والذل.. ويصبح الطموح التخلص من الذل عند اول فرصة.. وتصبح الاولوية التخلص من "المدعوم".. والذهاب الى البديل الذي يؤمن حدا ادنى من الكرامة..

نجحت الخطة.. وانفك الناس من التصاقهم بالدعم..

 اقتصاديا هذا امرا ليس سيئا في حال كانت نسبة النمو في الاقتصاد السوري موجودة، بحيث توفر زيادة في دخل المواطن يعادل ارتفاع الاسعار..

ولكن مع ارتفاع سعر الدولار، ارتفاع معدلات البطالة، انعدام النمو وتوقف عجلة الاقتصاد.. سيوفر هذا الاجراء مليارات الليرات السورية.. وهي لن تذهب بعد اليوم لمساعدة المواطن المحتاج بعد اليوم.. سيكون لها طريق اخر يصب على نار الازمة مزيدا من الزيت..

 

نضال معلوف


TAG: