مقالات رئيس التحرير

تحليل أداء السلطة الانتقالية ومسارات العدالة

28.04.2026 | 21:34

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف، في سياق تحليله للمشهد السوري الراهن، رؤية نقدية معمقة تتناول طبيعة السلطة الحالية، ومسؤولياتها، ومدى التزامها بالاستحقاقات الوطنية والخدمية. يطرح معلوف تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة النقد الموجه للسلطة: هل هو نابع من "كراهية وحقد"، أم هو واجب تمليه الضرورة في ظل غياب أدوات الرقابة المؤسساتية؟ ومن خلال تفكيك بنية "السلطة الانتقالية" بقيادة "الشرع"، يستعرض معلوف جملة من الملفات الحساسة التي تمس حياة السوريين ومستقبل دولتهم.

أولاً: مفهوم السلطة الانتقالية وحتمية الرقابة الشعبية

يؤكد نضال معلوف أن توصيف السلطة الحالية بأنها "انتقالية" ليس شتيمة أو انتقاصاً، بل هو واقع قانوني وسياسي أقره "الرئيس الشرعي" نفسه بتوقيعه على "الإعلان الدستوري".

المبادئ الأساسية للمرحلة الانتقالية:

  • الإقرار بالصفة الانتقالية: يشير معلوف إلى أن الإعلان الدستوري يحدد مده المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ويصف الحكومة والسلطة بأنها "انتقالية" تهدف لتنظيم شؤون البلاد.
  • غياب أدوات الرقابة: في الدول المكتملة، تتوفر آليات رقابة مثل البرلمان، الصحافة الحرة، الأحزاب، والقضاء المستقل. أما في الحالة السورية الراهنة، فهذه الأدوات غائبة تماماً، مما يلقي بمسؤولية الرقابة على عاتق المجتمع والرأي العام.
  • النقد كواجب وطني: يرى معلوف أن ممارسة النقد في غياب المؤسسات ليست حقاً فحسب، بل هي واجب لتعويض غياب الآليات الرقابية ومنع السلطة من التغول أو الانحراف عن مهامها.

ثانياً: تقييم الملف الأمني والشرطة المدنية

على الرغم من وجود استقرار أمني نسبي مقارنة بفترات الصراع الكبرى، إلا أن معلوف يرى أن هذا الاستقرار "هش" ويفتقر إلى الهيكلية المؤسساتية الواضحة.

ثغرات المنظومة الأمنية:

الملف

الوضع الحالي حسب تحليل معلوف

الأمن العسكري

استقرار قائم على "تبريد الجبهات" وليس حلها، مع بقاء فصائل لا تاتمر بأمر المركز (مثل السويداء وقسد).

الأمن العام (الشرطة المدنية)

غياب هيكلية واضحة، عدم معرفة القادة أو المقرات، والاعتماد على أرقام "واتساب" بدلاً من أرقام طوارئ رسمية.

هوية الأمن العام

تداخل بين عناصر الفصائل المسلحة وجهاز الأمن العام، مما يفقد الجهاز صفته المدنية والاحترافية.

وينتقد معلوف غياب "مخطط هيكلي" واضح لوزارة الداخلية والشرطة، مؤكداً أن من حق المواطن معرفة من هم قادة الأفرع وكيفية التواصل معهم مؤسساتياً، وليس عبر علاقات شخصية مع "أمنيين" أو "شيوخ".

 

 

ثالثاً: الملف الاقتصادي والخدمي.. معيار "الأثر"

يضع نضال معلوف قاعدة واضحة لتقييم أي قرار حكومي: "صوابية القرار تقاس بمدى الأثر الإيجابي الذي يحدثه في المجتمع". ويرى أن التقييم بناءً على تصريحات المسؤولين هو تضليل للواقع.

  • أزمة الكهرباء: توفر الكهرباء لساعات طويلة لا يعد إنجازاً إذا كان المواطن غير قادر على دفع الفاتورة. فالنتيجة النهائية هي حرمان شريحة واسعة من الخدمة بسبب الغلاء الفاحش.
  • خدمات الإنترنت: يصف معلوف واقع الإنترنت بـ "السيئ والمكلف"، رغم الوعود والحديث عن تقنيات حديثة، مؤكداً أن انطباع السوريين العام هو المقياس الحقيقي للفشل أو النجاح.
  • القدرة الشرائية: يشير إلى تراجع مخيف في مستوى المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للسوريين، معتبراً أن تثبيت سعر الصرف لا قيمة له إذا لم ينعكس إيجاباً على أسعار السلع وحياة الناس.

رابعاً: الإشراك السياسي والشرعية الدولية

يعطي معلوف "صفراً مكعباً" للسلطة في ملف الإشراك السياسي. ويرى أن الاستئثار بالسلطة من قبل فئة واحدة (الفصائل وجمهورها) يحرم الدولة من "الشرعية المقبولة" دولياً.

  • التبعية والشرعية: غياب المشاركة السياسية الواسعة يجعل المجتمع الدولي يتعامل مع السلطة كـ "سلطة أمر واقع" وليس كدولة شرعية مستقرة.
  • العلاقات الخارجية: الزيارات الدبلوماسية لن تؤتي ثمارها الاستراتيجية (مثل رفع العقوبات أو الاستثمار) ما لم تشعر الدول بوجود استقرار سياسي ناتج عن توافق وطني واسع.

خامساً: العدالة الانتقالية بين "التسييس" و"المنهجية"

تطرق معلوف إلى ملف ملاحقة المجرمين، مثل "أمجد يوسف" و"عاطف نجيب"، معتبراً أنها خطوات "تثلج الصدور" إنسانياً، لكنها تثير تساؤلات قانونية ومنهجية عميقة.

ملاحظات نقدية على مسار العدالة الحالي:

  1. غياب الإطار القانوني: لا يوجد قانون خاص بالعدالة الانتقالية مقّر من مجلس شعب، والمحاكم الحالية (الجنايات) غير مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقاً للقانون السوري الحالي.
  2. الانتقائية والاستعجال: ينتقد معلوف سرعة نشر اعترافات "أمجد يوسف" (بعد أقل من 24 ساعة من القبض عليه)، معتبراً ذلك "استعراضاً سياسياً" يهدف لإرضاء أطراف خارجية أو امتصاص غضب الشارع، بدلاً من إجراء تحقيق مهني معمق.
  3. سلسلة القيادة: يكمن الخوف في أن تؤدي الاعترافات السطحية (مثل ادعاء المجرم بأنه تصرف بمفرده) إلى تبرئة الرؤوس الكبيرة وسلسلة القيادة (بشار وماهر الأسد)، وهو ما يتنافى مع جوهر العدالة الانتقالية.
  4. استقلالية الهيئة: يتساءل معلوف: هل تستطيع هيئة معينة من قبل السلطة أن تحاسب أركان هذه السلطة أو الفصائل الداعمة لها؟

الخاتمة: الوعي كأداة للتغيير

ينهي نضال معلوف تحليله بالتشديد على أن الهدف من هذا النقد هو الوصول إلى "شاطئ الأمان" وبناء دولة القانون التي يتساوى تحت سقفها الجميع. ويرى أن "الوعي" هو أضعف الإيمان وأقوى سلاح في مواجهة محاولات فرض "واقع شاذ" لا يحقق مصالح الشعب السوري. إن المطالبة بمخطط هيكلي للأمن، وشفافية في الإنفاق (مثل انتقاد شراء سيارات فارهة للوزراء)، والالتزام بالإعلان الدستوري، ليست أعمالاً عدائية، بل هي ضرورة لاستعادة الدولة السورية ككيان طبيعي وشرعي.

 


TAG:

بدء أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب في دمشق

انطلقت، اليوم الأحد، في القصر العدلي بدمشق أولى الجلسات العلنية لمحاكمة أبرز رموز النظام السابق، عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس السابق بشار الاسد، والمتهم بارتكاب انتهاكات في درعا.