وجهة نظر مع نضال معلوف

هدم المقدسات والتطاول على الرموز هل هو من مصلحتنا اليوم ؟

20.11.2019 | 18:13

قد يبدو "الإيمان" للبعض شر مطلق ، وينظر هؤلاء الى "الإيمان" بأنه  يقوم على سياق غير متماسك ، وإن إخضاع هذا السياق للعقل والتمحيص في التفاصيل سيكشف ركاكة "السيرة" ويهدم بنيان الإيمان ويخرج الناس من الضلال الذي هم فيه ؟

بالنسبة لي تعلمت أن أحترم معتقدات الشعوب ولا أتطاول على مقدساتها .. خاصة الشعوب المسحوقة الفقيرة الواقعة تحت الظلم والاستبداد ..
فالإنسان الذي يحرم من العدالة والمساواة والكرامة ومن ابسط الحقوق في العيش الكريم ، فيصبح المأكل والمشرب تحد، والتعليم ترف والسكن حلم .. وهدف الحياة الوحيد هو النجاة بالروح والعائلة من الموت ..لن يبقى لديه إلا "الإيمان" ليبقيه على قيد الحياة ..
هذا الإنسان الضعيف المتداعي بحاجة لركائز ليبقى متوازنا قادرا على الاستمرار ، وغالبا ما يجد هذه الركائز في العقائد والروحانيات التي تساعده على القبول والتسامي فوق الحرمان

لذلك اعتقد بان التشدد والتشبث بالعقائد وتقديس الرموز هو نتيجة وليس مسبب ، فعندما لا نترك للإنسان خيارات في الواقع لا يمكن أن نلوم هذا الإنسان لأنه يتجه الى الماورائيات، إن لم نوفر له الفرص ليكسب في الدنيا لا يجب علينا أن نقتل له الحلم لكي يحقق هذا الكسب في "الآخرة" ..
لا يمكن للإنسان ان يعيش مظلوما في الأرض وتقول له بأن لا عدالة في السماء أيضاً ، لا يمكن للإنسان ان يعيش محروماً في هذه الحياة وتقول له ستبقى محروماً في الحياة الأخرى كذلك ..

انا أتفهم بان هناك من لا يؤمن ، هناك من اوجد منظومته الخاصة واستطاع ان يؤسس قواعد لتوازنه النفسي تعتمد على الواقع ، وهذا شأنه وقد يكون هذا جيد ، ليست فكرة سيئة ان يتحمل الانسان مسؤولية نفسه ولا يلقي هذه المسؤولية على الله ( بمفهومه الكلي ) ، ولا اعتقد بان هذا سيتسبب في غضب الله نفسه .. اعتقد بان الله سيكون مسرورا لان واحدا من الناس استطاع ان يعتمد على نفسه ويتدبر أمره .. واعتقد بان الله برحمته سيبقي الباب مفتوحا حتى لهذا حين يضعف او تتداعى ركائزه لكي يعود إليه ..

ولكن لا يمكننا ان نلوم ذاك الذي هو بحاجة للإيمان ليبقى متوازنا قادرا على التغلب على الصعوبات راغبا في استمرار حياته بالاعتماد على منظومة محددة موجودة ومتماسكة يؤمن بها ملايين البشر ، لا يمكننا لومه وليس من الإفادة بشيء أن نحاول أن نهدم هذه المنظومة ونترك هذا الإنسان هكذا مكشوفا للعراء .. للخوف .. للمجهول ..

هناك من يحاول هدم هذه النظم الروحية للناس لا لأنه يريد حياة أفضل للشعوب ، على الأغلب هو عاجز مثلها ولا يمتلك اي بدائل لتوفير العدالة لكل الناس ، بل يفعل ذلك من دافع النرجسية والأنانية والتذاكي .. بدافع انه هو الذي اكتشف "الثغرات" و"التناقضات" وانه أعلى من المنظومة المجتمعية التي ينتمي إليها .. انه ببساطة يتكبر على هذه المنظومة ويحتقر الناس الذين ينضوون تحت مظلتها ..

يعتقد كل واحد من هؤلاء بأنه الوحيد الذين قرأ الكتب السماوية وسير الأنبياء وقصص المرسلين ووجد فيها الثغرات، يعتقد بأنه الوحيد الذي هزم هذه النصوص بالعقل و"التفتيش" وانه آن الأوان ليظهر "مبشر" جديد يقول ببطلان "القديم" و"سقوطه" .. ودعوة الناس لتركه والوقوف عند هذا الحد في الطريق الذين يسيرون فيه .. يعتقدون بأنهم امتلكوا الحقيقة .. وعليهم ان يظهروها للناس .. ويظهروا معها !

وانا لن احكم على أفعالهم هذه ولن أصنفها ولكني سأشير الى ما يفوت هؤلاء ..

يفوت هؤلاء .. ان ما يحاول هؤلاء هدمه .. ربما هو الشيء الوحيد المتبقي للناس ركيزة يستندون إليها في هذا العالم ويستمرون في العيش فيه ..

نحن هنا  لسنا في حالة الإجابة على سؤال ما هو الأفضل "أن نؤمن" أم " لا نؤمن" .. ليس السؤال هل "هذا مقدس" أم "غير مقدس" .. ليس السؤال هل "هذا منطقي وصحيح" أم "غير منطقي وخاطئ" ..

السؤال هو إذا سحبنا هذه الركيزة من تحت أقدام هؤلاء ماذا سيحصل .. ؟ طالما أننا لم نوفر لهم أي وسائل أمان عند السقوط ولا وزعنا لهم أجنحة للطيران ، ولا وفرنا لهم ركائز أخرى ليقفزون إليها ..

انا واحد من الناس الذي يؤمن بالعلم ، واجد أن أساس استمرار الإنسان في الحياة هو "الرفاه" والعيش بالكفاية والكرامة ، ويمكن أن اعمل ليل نهار مع كل الأطراف في سبيل تأمين هذا الرفاه لكل الناس .. وجعله السبب الرئيسي الذي يتمسكون به  في الحياة

ولكن سأتردد ألف مرة بأن أهدم أي ركيزة ولو كانت من "قش" تبقي إنساناً على قيد الحياة وهو لا يمتلك بديلا سواها ..

هذا يشبه ان نسحب القشة من يد الغريق بحجة أن هذه مجرد "قشة" ولن تنقذ حياته وندعه يموت .. دون أن يكون في أيدينا شيء لننقذ حياته في المقابل ..

يفوتنا بأن نلحظ بان كل المجتمعات التي انتقلت من "الروحانيات" الى "الواقع"  فعلت هذا ليس بفعل "الإقناع" و"الشرح" و"الهجاء" وتبيان مواقع "الخلل" في أعمدة الإيمان .. على العكس تماما .. إذا لم نوفر البدائل والحلول لحياة أفضل للناس وقمنا بمحاولة انتزاع "ركيزة" "المقدس" من حياتهم سيكونون أكثر تشدداً وتعنتاً في التمسك "بالحبل" الأخير الذي يبقي لحياتهم معنى ..

إذا أردنا حياة أفضل للناس ليست الطريقة المثلى أن ننظر في وجوههم ونحقر رموزهم ومقدساتهم ..
إذا أردنا حياة أفضل للناس يجب أن نوفر لهم البدائل الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي توفر لهم حياة أفضل ، وأثبتت التجارب عبر التاريخ بان الناس سينتقلون طواعية الى الخيار الذي يوفر لهم معيشة أفضل ..

مع لحظ انه من الضروري في النهاية ان نترك لهم حرية الخيار .. ولا نسمح لأنفسنا حتى أن نحكم على خياراتهم لأنه من الممكن أن تكون خياراتهم هذه أفضل و"أصح" من خياراتنا ( من يدري ؟)..
ولكن أن نهدم على رؤوس الناس السقف الوحيد الذي يحميهم من الوحشة والضياع .. لنثبت بأننا أذكى وأفهم وأقدر على تحديد الثغرات .. وتفكيك الحبكة ورصد الأخطاء ؟! .. ليس بالأمر الصائب، وليس في هذا الفعل في رأيي أي من الحكمة ولا حتى الإنسانية ..

 

نضال معلوف

 


TAG:

"العداوة" بين تركيا والنظام السوري .. ؟

هناك لغز محير للسوريين .. ( الحقيقة احد الاسرار المحيرة ) حول العلاقة الثنائية بين روسيا وتركيا وروسيا والنظام وعلاقة تركيا بالنظام السوري .. من حليف من ومن عدو من في هذه العلاقة "المعقدة" ..؟

اليسا ترد على مسؤول ايراني : من يريد الحرب فيلحارب من بلده

ردت الفنانة اللبنانية اليسا على تصريحات منسوبة لمسؤول في الحرس الثوري الايراني توعد فيها باستهداف اسرائيل انطلاق من لبنان ، في تغريدة على حسابها على تويتر قالت فيها "فمن أراد الحرب فليحارب من بلده ويترك لبنان يقرر ما يريده".