واقع الفوضى الأمنية والتحولات السياسية في سوريا
يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا الطرح تحليلاً معمقاً للمشهد السوري الراهن، رابطاً بين الانهيار الأمني المتمثل في ظواهر "التشليح" والسلب، وبين المشروع السياسي الأوسع الذي تقوده السلطة الحالية بقيادة "الشرع" (أبو محمد الجولاني). يتناول التحليل كيفية تحول سوريا إلى "خزان للمخاطر" بإرادة دولية، وتأثير "هندسة المجتمع" على المكونات السورية المختلفة، وصولاً إلى تقديم نصائح عملية للمواطنين لمواجهة الانفلات الأمني.
أولاً: سوريا كـ "خزان للمخاطر" والدور الوظيفي للسلطة
يرى نضال معلوف أن السلطة الحالية برئاسة "الشرع" تحظى بدعم سياسي دولي غير مسبوق، ليس رغبة في بناء دولة ديمقراطية، بل لغرض وظيفي محدد وهو تحويل الجغرافيا السورية إلى "سجن كبير" يحوي المقاتلين الأجانب والفصائل المتشددة.
النقاط المركزية في الدور الوظيفي:
حارس خزان المخاطر: يُنظر إلى "الشرع" دولياً على أنه الشخص المنتمي للمشروع الجهادي والقادر على ضبطه، مما يضمن بقاء هذه المخاطر (مثل المقاتلين الشيشان والإيغور) داخل الحدود السورية ومنع انفجارها نحو دول الجوار أو الغرب. الدعم الدولي الاستراتيجي: القوى التي قررت تسيد "الشرع" فعلت ذلك لضمان وجود "سجان" ينسق معها، وهو ما يفسر اختفاء القوى الوطنية السورية (مثل الائتلاف والمجالس العسكرية) التي تم سحب الدعم عنها وتغييبها عمداً لأنها كانت تنادي ببناء "دولة" لا تتفق مع مشروع "خزان المخاطر". مشروع "الإمارة" لا "الدولة": السلطة الحالية لا تهدف لبناء مؤسسات دولة حقيقية، بل تؤسس لكيان يشبه "الإمارة"، وهو ما يستدل عليه معلوف بمؤشرات رمزية وعميقة مثل قرار منع استيراد الآلات الموسيقية، معتبراً إياه انعكاساً للفكر الجهادي الذي لا يمكن أن يبني دولة عصرية.ثانياً: حالة الاستقطاب و"هندسة المجتمع"
يوضح معلوف أن استمرار السلطة يعتمد بشكل أساسي على "لعبة الاستقطاب" الحاد التي مارستها شركات علاقات عامة وإعلام مدروس، مما أدى إلى فرز المجتمع السوري إلى طبقتين:
جمهور السلطة: وهم الذين تم إيهامهم بأنهم مواطنون من "الدرجة الأولى" ومنحوا امتيازات (سواء كانت مادية أو معنوية كالتشبيح الإلكتروني) لقاء ولائهم المطلق. هؤلاء يمثلون "الدروع البشرية" التي تحمي السلطة. الطرف المهزوم/المشكك: وهم بقية السوريين الذين يشعرون بتهديد وجودي نتيجة غياب القانون وسيادة منطق الغلبة.مخاطر هندسة المجتمع:
يرى معلوف أن مشروع "الشرع" يهدف لإعادة هندسة المجتمع السوري ليتناسب مع فكره السلفي الجهادي، إلا أن هذا المشروع يصطدم بحقيقة التنوع السوري. فالسلطة، حسب التحليل، لا تستطيع "أدلجة" الدروز أو العلويين أو المسيحيين أو الأكراد، مما يدفعها لتبني سياسة إقصاء وتهميش لهذه المكونات، وهو ما قد يقود سوريا نحو الانفصال الواقعي أو الإدارات الذاتية كخطة بديلة لحصر المخاطر في مناطق سيطرة "الشرع" فقط.
ثالثاً: تاكل السلطة وظاهرة الانفلات الأمني (السلب والنهب)
يسلط نضال معلوف الضوء على ظاهرة "تاكل السلطة" التي وصلت إلى مرحلة عجزها عن تحقيق المصلحة العامة أو حماية أمن المواطن اليومي.
إحصائيات مقلقة: رصد التحليل أكثر من 30 حالة سلب وتشليح وسطو مسلح خلال أسبوع واحد فقط في مناطق مختلفة. أسباب الانفلات: تركز السلطة كل إمكانياتها على "أمنها السياسي" وبقائها في الحكم، مع إهمال تام للأمن الجنائي والخدمات الأساسية، مما أدى لظهور "جيش من الشبيحة" يمارس السلب بقوة السلاح. الاحتجاجات المطلبية: يرى معلوف أن الاحتجاجات الحالية (الممرضين، الدواجن، المحروقات) هي مؤشر على تاكل السلطة، لكنها لا تسقط نظاماً بوجود فصائل عسكرية مستفيدة، بل تزيد من معاناة وفوضى حياة السوريين.
رابعاً: إرشادات السلامة العامة للمواطنين
في ظل غياب الدور الأمني الفعال، قدم نضال معلوف مجموعة من النصائح العملية للسوريين لتقليل مخاطر التعرض للسلب والتشليح:
المجال
النصائح والإرشادات
المشي في الشوارع
تجنب المشي في منتصف الشارع؛ المشي دائماً على الرصيف بجانب الحائط؛ جعل الحقيبة من جهة الحائط لا جهة الشارع.
انتظار المواصلات
عدم الوقوف في مقدمة الرصيف؛ البقاء قريبين من الأبنية؛ الحفاظ على وعي دائم باحتمال وجود خطر.
أصحاب المحلات
تركيب كاميرات مراقبة بشكل ظاهر؛ وضع لافتات "المكان مراقب بالكاميرات" لردع اللصوص.
التعامل مع السارق
الأولوية القصوى لسلامة الجسد؛ عدم المقاومة في حال التهديد بالسلاح؛ المال والوثائق تعوض أما الحياة فلا.
المجتمع المحلي
تشكيل شبكات تواصل (واتساب) لتبادل المعلومات عن الطرق الخطرة؛ تنسيق حركة النساء والأطفال ليكونوا ضمن مجموعات.
خامساً: نقد النخب والمتواطئين
يوجه معلوف انتقاداً لاذعاً للنخب السورية (دبلوماسيين، إعلاميين، تكنوقراط) الذين انخرطوا في مشروع السلطة، معتبراً صمتهم عن المجازر والفساد نوعاً من التواطؤ. ويرى أن هؤلاء يدافعون عن السلطة اليوم ليس إيماناً بها، بل لأنهم يدركون أن مستقبلهم السياسي والمهني مرتبط ببقائها، وأن أي تغيير وطني سيعني محاسبتهم أو تهميشهم.
اقتباس هام: "إن من يمنع استيراد الآلات الموسيقية لا يبني دولة، بل يؤسس لإمارة متطرفة... الصمت على المجازر أسقط المعيار الإنساني والوطني لدى النخب المستقطبة." — نضال معلوف
سادساً: التوقعات المستقبلية والحل المنشود
يخلص نضال معلوف إلى أن المشهد السوري يسير نحو ضبابية طويلة الأمد:
استمرار الفوضى: الانفلات الأمني والانهيار الاقتصادي سيستمران طالما أن السلطة لا تتصرف كـ "سلطة انتقالية" بل كحكم مطلق. خطر التفتيت: إصرار "الشرع" على مشروعه الإقصائي يدفع المكونات (مثل السويداء والساحل وشمال شرق سوريا) نحو حلول انفصالية أو إدارات ذاتية هرباً من "خزان المخاطر". الحل الجذري: يجدد معلوف دعوته لتشكيل "هيئة حكم انتقالي" أو مجلس حكم وطني يضم الجميع، مؤكداً أن الحل لا يبدأ إلا عندما يقتنع الجميع بأن البلد يتسع للكل تحت سقف القانون، بعيداً عن الأيديولوجيات المتطرفة والمشاريع الدولية المشبوهة.خاتمة: إن واقع السلب والنهب في سوريا ليس مجرد حوادث جنائية، بل هو نتيجة طبيعية لسلطة تفتقر للشرعية الوطنية وتعتمد على الاستقطاب لتأمين بقائها. يبقى الوعي الشعبي والتنظيم المحلي هما خط الدفاع الأول للمواطن السوري في ظل هذه المرحلة الانتقالية المتعثرة.