متى وكيف علم الشريف حسين باتفاقية سايكس بيكو ؟

كشفت الثورة البلشفية في روسيا التي وقعت خلال الحرب العالمية الاولى عن الاتفاق السري المعروف باسم "سايكس بيكو" ، وعلمت تركيا بالاتفاق وحاولت تحذير الشريف حسين من خديعة الانكليز من خلال رسائل ارسلها جمال باشا السفاح الى كل من فيصل ، وجعفر العسكري والامير عبد الله .. لم يتلقى ابدا الرد عليها .. فما الذي حصل .. ؟

بعد الثورة في روسيا القيصيرية نهاية العام 1917 ، ولما نشرت الحكومة البلشفية نصوص الاتفاقية المعقودة ( سايكس بيكو )  بين روسيا وبريطانية وفرنسا، واطلعت عليها الحكومة العثمانية، بادرت إلى اغتنام الفرصة ونقل النبأ إلى الشريف حسين وحثه على الرجوع عن الثورة وعقد صلح منفرد معها.

وقد جاء ذلك في ثلاث رسائل بعث بها جمال باشا، القائد العام في سورية، إلى الأمير فيصل وجعفر العسكري والأمير عبد الله وعلى أثر تسلم فيصل كتاب جمال باشا أبرق بمضمونه إلى الملك حسين، فبادر الملك حسين، بإبلاغ مضمون الكتاب وعروض جمال باشا، إلى المندوب

السامي البريطاني في القاهرة طالباً تفسيراً للموضوع. وأمر فيصل وجعفر العسكري بعدم

إرسال أي جواب لجمال.

يمكن مراجعة الوثائق في ارشيف الوثائق البريطانية تحت الارقام

(CAB 27/23 ، FO 686 / 38 ، FO 686/75 )

رابط ارشيف الوثائق البريطانية :

http://discovery.nationalarchives.gov.uk

 

الرسالة التي ارسلها جمال باشا الى الامير فيصل بعد معرفته باتفاقية سايكس بيكو ، مترجمة وباقي الوثائق المعروضة هنا بموافقة "مكتب جلالة ملكة بريطانية للقرطاسية" جمعها ونشرها نجدة فتحي صفوة في خمس مجلدات تحت اسم عنوان " الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية" المجلد الثالث الوثائق من ( 105 الى 113)

 

نص الرسالة :

من أحمد جمال باشا  مقر القيادة العامة

للجيش الرابع العثماني  الأركان العامة

إلى الأمير فيصل

دمشق في 13/11/1333 رومي

(26/11/1917) م

إننا اليوم نعيش أكثر الصفحات غموضاً وشكوكاً في تاريخ الإسلام. إن الحكومة الحاضرة التي تدعى حكومة "تركية الفتاة" قد دخلت، لسبب أو آخر، الحرب الكونية مصممة على وضع حد لمذلة الإسلام، وعلى العيش بعز واستقلال، أو الموت بشرف. وحيث تعهدت بهذا اعتمدت الحكومة على التأييد القلبي والتعاون من جانب العالم الإسلامي. ولأجل تحقيق الغاية نهجت المنهج الذي وجدته الأفضل والأصوب، مظهرة العطف حيث يجب العطف، والشدة حيث تلزم الشدة. وقد اعترفتم خلال اجتماعتنا الكثيرة، في مناسبات عديدة، بعدالة وجهة نظرنا، وإنني طالما سمعت ذلك منكم.

وفي برقيتكم الأخيرة التي تعلنون فيها انفصالكم النهائي عنا، كنتم قد اعترفتم بغرابة تصرفكم هذا، ووعدتم بإيضاح دوافعه في اتصال شفهي يتم في المستقبل القريب، طالبين في الوقت الحاضر المعذرة على سلوككم.

وهنالك زواية واحدة يمكن منها تبرير ثورتكم لمصلحة العرب، وذلك إمكان تأسيس حكومة عربية مستقلة ستضمن بهيبتها استقلال الإسلام وكرامته ورفعته. ولكن أي نوع من الاستقلال يمكنكم أن تتصوروا عربية تقوم بعد تدويل فلسطين، لقد أعلنت ذلك حكومات الحلفاء بصراحة وبصورة رسمية، مع وضع سورية تحت السيطرة الفرنسية تمامًا، وجعل العراق بأسره جزءاً من الممتلكات البريطانية؟ وكيف ستتمكن حكومة كهذه من تقرير مصير الإسلام؟

لعلكم لم تفكروا بهذه النتائج في البداية. ولكنني آمل أن يظهر لكم مشهد الاحتلال البريطاني لفلسطين هذه الحقيقة عارية. وإنه لمن المؤلم حقاً رؤية هذه الحقائق وهي تظهر للعيان بفظاعتها. والعزاء الوحيد هو أننا نعلم أن الأوان ليس متأخراً لحصر الكارثة أو إصلاح الأخطاء التي ارتكبت. فإذا اعترفتم بهذه الحقيقة فليس هنالك ما هو أسهل من إعلان عفو عام عن الثورة العربية وإعادة فتح المفاوضات لأجل حل المشكلة لصالح الإسلام. وإني واثق من أني بإرسالي هذا الكتاب أؤدي واجباً دينياً. والمسؤولية تقع على من لا يقدرون هذا. والسلام على من اتبع الهدى

 

(موقع) احمد جمال

 

الرسالة الجوابية للشريف حسين الذي سارع بارسال نسخ من رسائل جمال باشا الى الادارة البريطانية.

نص الرسالة الجوابية :

 

من نائب المعتمد البريطاني في جدة

إلى الملك حسين

الرقم 163

 التاريخ: 8 شباط / فبراير 1918

صاحب السيادة العظمى ملك الحجاز وشريف مكة وأميرها المعظم.

بعد بيان ما يجب بيانه من الاحترام والتوقير، أمرني جناب فخامة نائب جلالته أن أبلغكم البرقية التي وصلت إلى فخامته من نظارة الخارجية البريطانية بلندن، وقد عنونتها حكومة جلالة ملك بريطانية العظمى باسم جلالتكم، وهذا نصها:

"إن حكومة جلالته تشعر بامتنان عميق للسرعة والصراحة التي حملت سموه على أن يرسل إلى المندوب السامي رسالة القائد التركي في سورية الموجهة إلى الأمير فيصل وجعفر باشا. إن ما قام به سموه مثال للصراحة والصداقة اللتين ميزتا دائماً الاتصالات بين حكومة صاحب الجلالة وحكومة الحجاز. لا ريب أن السياسة التركية ترمي إلى زرع عدم الثقة بين دول الحلفاء والعرب، الذين يقومون تحت تأثير سموه الملهم، يبذل الجهود الحثيثة لاسترجاع حريتهم القديمة، وذلك بالإيحاء للعرب أن الدول الحليفة تطمع في الأقطار العربية، وللدول الحليفة بأن العرب يمكن تحويلهم عن هدفهم في تحرير أنفسهم. لكن أقوال الدساسين لا تستطيع أن تثير الخلاف بين أولئك الذين تنطوي أذهانهم على فكرة واحدة.

إن حكومة صاحب الجلالة وحلفاءها يقفون بثبات إلى جانب الأمم المضطهدة، وهم يعتزمون مساندة الشعوب العربية في كفاحها لأجل إعادة بناء عالم عربي يقوم فيه القانون مرة أخرى مقام المظالم العثماينة والاتحاد مقام المنافسات والحزازات المصطنعة التي يشجعها الموظفون الأتراك. وحكومة صاحب الجلالة تعيد تأكيد تعهداتها السابقة لعظمته بخصوص تحرير الشعوب العربية. إن التحرير هو سياسة حكومة صاحب الجلالة التي اتبعتها، وتنوي اتباعها، بعزم ثابت لحماية العرب الذين تم تحريرهم من خطر عودة الاحتلال ومساعدة العرب الذين لا يزالون تحت نير المضطهد لأجل الحصول على حريتهم". 

وفي الختام ألتمس قبول خالص التحيات وعظيم الاحتشامات والتمنيات.

نائب المعتمد البريطاني بجدة

الكولونيل باسيت

 

 

لم يعلم الشريف حسين عن تفاصيل اتفاق سايكس بيكو الذي اشار جمال باشا اليه في رسائله ، فقد كان في مضمون الرسائل معلومات عن اتفاق الانكليز والفرنسين على اقتسام المنطقة دون الخوض في تفاصيل الاتفاقية ، إلى أن وصلت اليه نسخة من جريدة المستقبل العدد 101 الصادر بتاريخ 2 رمضان سنة 1336 حزيران 1918 وكان منشوراً فيها نص الخطاب الذي ألقاه جمال باشا في بيروت، وبين فيه تفاصيل الاتفاقية، فاضطرب الملك حسين اضطراباً شديداً

وأبرق إلى معتمده في مصر برقية شديدة يأمره فيها بالحصول على إيضاحات من المندوب السامي حول الاتفاقية وأبعادها.

ويرد في الوثيقة رقم FO 371/3381 في ارشيف الوثائق البريطانية الرد التالي ( مترجمة وباقي الوثائق المعروضة هنا بموافقة "مكتب جلالة ملكة بريطانية للقرطاسية" جمعها ونشرها نجدة فتحي صفوة في خمس مجلدات تحت اسم عنوان " الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية" المجلد الثالث)

 

(برقية)

من السير ريجنالد وينغيت (الإسكندرية)

إلى وزارة الخارجية

الرقم: 948 التاريخ: 16 حزيران / يونيو 1918

عاجل

إن ملك الحجاز الذي يبدو أنه اطلع لتوه في جريدة ( المستقبل  (العدد 101 على تقرير عن الخطاب الذي ألقاه جمال باشا قبل سقوط القدس ببضعة أيام، قد أرسل برقية شديدة إلى وكيله موعزاً إليه بالقيام بتحقيقات عن الاتفاق البريطاني  الفرنسي ونطاقه.

و لا بد أنك تتذكر أن الملك لم يبلغ قط باتفاقية سايكس  بيكو بصورة رسمية.

نصحت الوكيل أن يقول إن البلاشفة وجدوا في وزارة خارجية بتروغراد سجلاً لمحادثات قديمة وتفاهم موقت ( وليس معاهدة رسمية  ( بين بريطانية وفرنسة وروسية في أوائل الحرب تفادياً لقايم صعوبات بين الدول في تنفيذ الحرب مع تركية. إن جمال إما بسبب جهله، أو بدافع الخبث، قد شوه غرضها الأصلي وحذف بنودها المتعلقة بموافقة السكان المحليين وحماية مصالحهم، وتجاهل أن قيام الثورة فيما بعد ونجاحها، وانسحاب روسية منذ مدة طويلة، قد خلق وضعاً مختلفاً تماماً. هل لي أن أضيف أننا نعتبر الاتفاقية ميتة من جميع النواحي العملية؟

26.12.2015 23:20