حالة الاستعصاء "السياسي" في دمشق: قراءة في دلالات معرض دمشق الدولي
يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل العميق للواقع السياسي والاقتصادي الراهن في دمشق، متخذاً من "معرض دمشق الدولي" في نسخته الحالية مختبراً لقراءة دلالات ما يسميه "حالة الاستعصاء السياسي". يرى معلوف أن المعرض، الذي كان تاريخياً رمزاً للانفتاح الاقتصادي السوري، تحول اليوم إلى مرآة تعكس زيف الادعاءات حول الدعم الدولي، وفشل الإدارة الحالية في الانتقال من عقلية "الجماعة" إلى عقلية "الدولة". المعرض بين الذاكرة التاريخية والواقع الراهن
يعقد نضال معلوف مقارنة حادة بين تاريخ المعرض العريق وواقعه الحالي، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم هو عملية "مسح للذاكرة السورية". فالمعرض الذي انطلق عام 1954 كان الأول من نوعه في المنطقة العربية، وشهد مشاركات دولية ثقيلة (مثل تكنولوجيا السينما ثلاثية الأبعاد التي قدمتها الولايات المتحدة آنذاك).
جدول مقارنة: معرض دمشق الدولي (الماضي مقابل الحاضر)
وجه المقارنة
دورات 1954 و1967
الدورة الحالية (تحت إدارة الشرع)
طبيعة المشاركة
شركات دولية كبرى، آليات ثقيلة، خطوط إنتاج.
وزارات محلية، مكاتب علاقات عامة فارغة.
الهوية
تجاري، صناعي، بزنس حقيقي (B2B).
دعاية سياسية، أجنحة عسكرية (وزارة الدفاع).
الحضور الدولي
أجنحة خاصة لكل دولة تضم منتجاتها.
مشاركة رمزية لـ 5-6 دول عبر مكاتب استعلامات.
الجمهور المستهدف
رجال أعمال، مستثمرون، وسياح دوليون.
مواطنون يبحثون عن متنفس "سيران" وشكاوى.
التوثيق
أدلة شركات مفصلة وأرقام صفقات معلنة.
غياب تام لدليل الشركات المشاركة أو إحصاءات حقيقية.
"مسرح العبث" والظواهر المثيرة للجدلينتقد معلوف تحويل المعرض إلى منصة لعرض "منجزات" أمنية وعسكرية، حيث برز جناح وزارة الدفاع ووزارة الداخلية (قسم السجون القديمة والجديدة) كنجوم للمشاركة، وهو ما يراه خروجاً عن سكة المعرض وأهدافه الاقتصادية. كما توقف عند ظواهر وصفها بـ "السخيفة":
تمثال ليوناردو دافنشي: الذي وُضع في وسط المعرض بطريقة فنية مشوهة تشبه "عنترة بن شداد"، واصفاً إياه بأنه يمثل حالة المعرض الحالية في قبحه وبعده عن الواقع. ظاهرة "الرجل الجامد": وضع جنود أو حراس بوضعية التماثيل كنوع من الترفيه، وهو ما اعتبره معلوف إهانة لهيبة الجيش واستخداماً غير مهني للعنصر البشري في غير مكانه. تسييس الدين: الاستغراب والاحتفاء المبالغ فيه بوجود "مصليات" في المعرض، وهو ما اعتبره معلوف نفاقاً رخيصاً وتجهيلاً للتاريخ، فدمشق (الشام الشريف) كانت دائماً مركزاً للعلماء والمدارس الدينية والمساجد، ولم تكن الصلاة يوماً ممنوعة حتى في أسوأ عهود الأسد. خديعة الدعم الدولي والاستثمارات الوهميةيفند نضال معلوف الادعاءات التي تروج لها الماكينة الإعلامية التابعة لأحمد الشرع حول وجود دعم دولي واسع. ويتساءل: "إذا كان العالم كله يحشد لدعم الشرع، فأين الجناح الأمريكي أو الفرنسي أو الروسي الحقيقي في المعرض؟".
ملف التطوير العقاري: "نصب واحتيال"يشير معلوف بجرأة إلى أن مشاريع التطوير العقاري الكبرى التي يتم الترويج لها (مثل أبيات هيلز، وشام فيو، وبوليفارد حمص) هي مجرد "كذبة كبيرة". ويستدل على ذلك بعدة نقاط:
غياب الشركات عن المعرض: هذه الشركات التي تدعي القيام بصناعة "التطوير العقاري" لم تخصص لنفسها حتى مكتب استعلامات واحد داخل معرض دمشق الدولي. الاستيلاء على الأراضي: يتم استملاك أراضي المزارعين (مثل أراضي كيوان والصبورة) تحت مسمى "النفع العام" ثم بيعها لشركات خاصة يملكها مقربون من السلطة. غياب المقومات: لا يمكن بناء مشاريع رفاهية في مناطق تفتقر للمياه والكهرباء والبنى التحتية الأساسية.ووجه معلوف نصيحة "استشارية مجانية" للسوريين بضرورة استرجاع أموالهم من هذه المشاريع، مؤكداً أنها لن ترى النور ولن يوضع فيها حجر واحد في ظل الإدارة الحالية.
من "الدولة" إلى "الجماعة": مؤشرات خطيرةيسلط نضال معلوف الضوء على مؤشر خطير يتعلق بإعلانات التوظيف في "الشركة القابضة للصناعات الدفاعية" التابعة لوزارة الدفاع. حيث تطلب الاستمارة معلومات لا علاقة لها بالكفاءة المهنية، مثل:
عدد أجزاء القران المحفوظة. المسجد الذي ينتمي إليه المتقدم. أسماء العلماء والمربين الذين يحضر لديهم المتقدم دورياً.يعتبر معلوف أن هذه المعايير تقصي السوريين من غير المكون السني "السلفي"، وتدمر مفهوم "دولة المؤسسات" لصالح "دولة الجماعة"، مما يدفع المكونات الأخرى (المسيحيين، الدروز، العلويين) نحو الشعور بالاغتراب والبحث عن حمايات بديلة، وهو ما يهدد وحدة سوريا الجغرافية.
حالة الانتظار والاستعصاء السياسييخلص نضال معلوف إلى أن السلطة الحالية تعيش حالة من "الجمود والانتظار" منذ شهر نيسان الماضي. فرغم "الزخم السياسي" المفتعل في البداية، إلا أن الخط البياني للدعم الدولي في تراجع مستمر.
النقاط الجوهرية للاستعصاء السياسي:
الثقة المفقودة: الدول الكبرى (بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا) لم تمنح الشرع الثقة الحقيقية، وما زالت تعامله كحالة تحت الاختبار، ولم تقدم له دولاراً واحداً أو اتفاقية سيادية واحدة. الهوية البصرية والسيادية: ما زالت جوازات السفر السورية تحمل شعار النظام القديم، مما يدل على عدم الاعتراف الدولي الفعلي بالهوية البصرية أو السياسية الجديدة. الدعاية المضللة: وصف معلوف تصريحات ترامب حول جعل سوريا بديلاً لمضيق هرمز للنفط العراقي بأنها "اجتزاء للسياق"، مؤكداً أن الواقع اللوجستي والسياسي في سوريا يمنع تحقيق مثل هذه المشاريع الضخمة في المدى المنظور.يرى نضال معلوف أن سوريا اليوم تعيش "كذبة كبيرة" وبرنامج واقع مضلل، حيث يتم إشغال الشعب بفعاليات مثل معرض دمشق الدولي للتغطية على الفشل الإداري والخدمي الذريع. ويؤكد أن الحل لا يكمن في "تغيير الأشخاص" بل في الانتقال الحقيقي إلى "دولة القانون والمؤسسات" التي تحترم الذاكرة السورية وتتعامل مع المواطنين كسواسية، بعيداً عن عقلية الجماعة والولاءات الضيقة.