تحولات المشهد السوري والمهمة المستحيلة

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف، من خلال تحليل معمق للتطورات الأخيرة على الساحة السورية، رؤية شاملة حول "المهمة المستحيلة" التي تواجهها السلطة الحالية، مسلطاً الضوء على الفجوة المتزايدة بين الأيديولوجيا الحاكمة وهويّة المجتمع السوري، وتصاعد الحراك المدني المطالب بحقوق اقتصادية وسياسية ملحة.

أولاً: المشهد السياسي العام والاتفاقات الدولية

يرى نضال معلوف أن اختفاء القوى الفاعلة على الأرض السورية خلال العمليات العسكرية الأخيرة لم يكن صدفة، بل هو دليل قاطع على وجود "اتفاق وتسوية" كبرى. وفي هذا السياق، تبرز ملامح السياسات الدولية تجاه السلطة الحالية:

روسيا: حافظت على قواعدها ومصالحها، حيث أظهرت سلطة "الشرع" موقفاً إيجابياً تجاهها. إيران: هناك مخاوف من إعادة رسم نفوذها، خاصة مع رصد مؤشرات لعودة تحويلات مالية ونشاط لخلايا تابعة لها في مناطق الجزيرة. الولايات المتحدة: تراقب النشاط الروسي عن كثب، مع استمرار فرض القيود التي تمنع أي تدفق استثماري حقيقي قبل حدوث تغيير جذري في بنية السلطة.

ثانياً: عودة الروح للمجتمع المدني (حراك دمشق)

اعتبر معلوف أن النجاح الملحوظ لوقفة 17 نيسان وغيرها من الاحتجاجات في دمشق، يمثل "إعادة حياة" للمجتمع المدني السوري. ويرى أن خروج الناس في أيام العطل (مثل يوم السبت) وبشكل طوعي بعيداً عن دور العبادة، يؤكد وجود تنظيم مدني واعٍ لا يستهدف التصادم، بل إيصال رسائل واضحة للرأي العام.

 

 

فن الاحتجاج السلمي: توصيات للمتظاهرين

لضمان سلامة الحراك واستمراريته، قدم معلوف "دليلاً فنياً" للاحتجاج السلمي، يتضمن النقاط التالية:

القاعدة

الإجراء المقترح

تجنب الاستجواب

عدم الانجرار للرد على "المنتحلين" أو المستفزين؛ الوقفة رسالة وليست مناظرة.

التمثيل الرسمي

اختيار متحدث باسم الوقفة لتوجيه الإجابات وتجنب العشوائية.

التنظيم المكاني

تشكيل دوائر حماية هادئة (وضع النساء وكبار السن في الداخل).

التوثيق الهادئ

تصوير المشهد العام لتوثيق أي اعتداء دون استهداف مباشر للأشخاص بشكل استفزازي.

وضوح المطالب

الاعتماد على اللافتات الواضحة التي تعبر عن حقوق المواطنة والخدمات.

خطة الانسحاب

تحديد موعد لفض الوقفة ومسارات آمنة للانسحاب لحماية الفئات الأضعف.

ثالثاً: دمشق ولعنة السلطة.. صراع الهوية والذاكرة

يشير معلوف إلى أن السيطرة على دمشق كانت دائماً مفتاح حكم سوريا، لكن العاصمة تعيش اليوم وضعاً غير طبيعي. تبرز الإشكالية في إدارة تمتلك "أيديولوجيا سلفية جهادية" لا تنتمي لتاريخ المدينة أو ثقافتها.

محاولات التدجين: هناك توجه دولي لتدجين السلفية الجهادية وجعلها نسخاً أكثر "اعتدالاً" للتعامل مع المجتمع. طمس الذاكرة: يرى معلوف أن استمرار السلطة الحالية يتطلب بالضرورة طمس الهوية السورية وتغييب الذاكرة الجمعية. مبادرة الأرشيف الوطني: لمواجهة هذا الطمس، أعلن معلوف عن توفير 10 كتب نادرة (أكثر من 5000 صفحة) توثق تاريخ دمشق وهويتها المدنية والدينية والاقتصادية منذ عصور ما قبل التاريخ حتى القرن العشرين، لتكون مرجعاً للسوريين في الحفاظ على أصالتهم.

رابعاً: غليان الأطراف.. الجزيرة والشرق السوري

بينما يركز "الشرع" نفوذه في العاصمة، تعاني المناطق الشرقية (الجزيرة) من فشل إداري وخدمي ذريع. المطالب في هذه المناطق تتجاوز الشعارات السياسية لتلامس لقمة العيش:

الخدمات الأساسية: تأمين المحروقات، الكهرباء، ومياه الشرب النظيفة. دعم الإنتاج: توفير الطحين للأفران، والبذار والسماد للفلاحين بأسعار مناسبة. الأمن والوظائف: فتح باب الانتساب للقطاعات العسكرية والمدنية لأبناء المنطقة دون شروط تعجيزية، وحمايتهم من الفيضانات والكوارث. الملف الإنساني: المطالبة بالإفراج عن المعتقلين ووقف التهميش الممنهج.

خامساً: المهمة المستحيلة والمعادلة الاقتصادية

يصف نضال معلوف مهمة السلطة الحالية بـ "المستحيلة" لعدة أسباب:

العزلة الدولية: رغم الدعم السياسي الشكلي، تظل سوريا "دولة راعية للإرهاب" في نظر القوانين الدولية، مما يمنع إعادة الإعمار. الوعود الزائفة: تبخرت وعود الـ 100 مليار دولار والاستثمارات التي كان من المفترض أن تبدأ في 2026، ولا يزال المواطن يعاني من ارتفاع الأسعار وخطر المجاعة. انحسار النفوذ: عدم القدرة على تقديم الخدمات سيؤدي حتماً إلى انحسار سيطرة السلطة عن الأطراف (السويداء، الجزيرة، الساحل)، مما يفتح الباب لعودة نفوذ قوى معادية أو تكريس سلطات "أمر واقع" غير معترف بها.

سادساً: التهديدات المستقبلية ومسؤولية الوعي

حذر معلوف من مؤشرات مقلقة تتعلق بالساحل السوري والتحركات الروسية، بالإضافة إلى احتمالية نشوء صراعات جديدة نتيجة التوتر في منطقة الشرق الأوسط (مثل لبنان).

الخلاصة والتوصيات:

يجب على السوريين "شد الأحزمة" لأن القادم قد يكون أصعب اقتصادياً في ظل حكومة محاصرة ومفلسة. تفعيل مبدأ "التكافل الاجتماعي" بين الأحياء والمدن لمواجهة الضائقة المعيشية. رفع مستوى الوعي العام ورفض أن تكون سوريا "مختبراً لتجارب سلفية جهادية" مدمرة. التعبير الدائم عن الإرادة الشعبية الرافضة للاستبداد بكل أشكاله، لأن القرار الدولي يُبنى في النهاية على المعطيات الموجودة على الأرض.

"إن التعبير عن إرادتنا هو الطريق الوحيد لمقاومة المشاريع التي تستهدف تفتيت سوريا وطمس هويتها."نضال معلوف

 

09.06.2026 13:39