لماذا تغير موقف الدول الغربية والاقليمية  من بشار الاسد؟

يروج اليوم على نطاق واسع من قبل وسائل الاعلام التابعة والصديقة للنظام بان الموقف من رحيل بشار الاسد كشرط مسبق للحل السياسي في سوريا قد تغير .. وهذا صحيح وحقيقي.

يروج اليوم على نطاق واسع من قبل وسائل الاعلام التابعة والصديقة للنظام بان الموقف من رحيل بشار الاسد كشرط مسبق للحل السياسي في سوريا قد تغير .. وهذا صحيح وحقيقي.

ولا يمكن مخالفة هذا الجزء من واقع التغيرات الكبيرة التي حصلت في الاونة الاخيرة ، ولكن يجب نعرض لباقي الاجزاء في المعادلة ، ليس فقط الموقف من بقاء الاسد هو الذي تغير .. فما هي تكملة المشهد ؟

ربما اقرب توصيف لهذا التغير في الموقف من قبل القوى الغربية والاقليمية هو ما صدرعن الدبلوماسية الاردنية التي وصفت ما يجري بانه "امر واقع" .. وايضا هذا صحيح .. ولكن ما هو هذا الامر الواقع الذي ترتب عليه الحل "المؤقت" الذي نعيش تفاصيله اليوم ..

في الحقيقة يمكن ان نقول انه صفقة اتفاق على تقسيم سوريا بين الولايات المتحدة وروسيا وايران وتركيا بشكل اساسي، بمعنى اخر ..

تم الاتفاق على ان تكون المنطقة الواقعة شمالي نهر الفرات تحت السيطرة الاميركية ، وتم السماح لتركيا بانشاء منطقة عازلة تقطع على الدولة الكردية المزعومة الطريق للامتداد الى غرب سوريا ، وترك للمعارضة "المعتدلة" برعاية اميركية تركية محافظة ادلب وجزء من ريف حلب على شرط ان تديرها ادارات ذاتية محلية لا تتدخل فيها الفصائل المتشددة وخاصة النصرة.

وكذلك ترك للمعارضة ايضا المنطقة الجنوبية من درعا الى الحدود الاردنية مع اتاحة المجال لفتح الطريق البري مع الاردن واستلام النظام لمعبر نصيب بضمانة روسية من خلال تواجد شرطتها العسكرية لتأمين الحماية لهذا الطريق وعملية العبور الى الاردن.

هناك بعض الامور غير المحسومة والتي ستحسم قريبا مثل موضوع دير الزور والذي تتسابق الى المدينة اليوم كل من قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة اميركيا حيث ان وجود معبر للعراق هو امر هام وحيوي بالنسبة للنظام للابقاء على الجسر البري مع ايران فيما لا تريد الولايات المتحدة ان تسمح بذلك ، وعلى الاغلب سيتم التوصل على حل يشبه الحل الذي طبق على الحدود الاردنية أي تامين معبر "مراقب" بضمانة دولة اجنبية لتامين حركة التنقل للبضائع والاشخاص دون الاسلحة.

طبعا في ذهنية الدول اللاعبة في سوريا اليوم على رأسها الولايات المتحدة ستترك جيوبا هنا وهناك لتمنع السيطرة التامة لطرف على جزء كامل "مكمل" ، وتبقى هذه الجيوب "تهديد" باشعال الصراع في أي وقت كضامن لانصياع اطراف الاتفاق "المحليين" لارادة تلك الدول.

هل هذه معلومات ؟ ام تحليل ؟

لا هذا اصبح امر واقع .. الامر الواقع ذاته الذي ابقى الاسد في السلطة .. ؟

ما بات يطلق عليه اليوم "مناطق خفض التوتر"  هو في واقع الامر تقسيمات سورية "الجديدة" ، والنظام بحكم الامر الواقع وافق عليها وسيعلن الاتفاق قريبا ويصبح لازما لتثبيت هذا الامر الواقع الى اجل غير مسمى.

اذا من حيث الامر الواقع فان النظام اعترف بالهزيمة وقبل بها وان كان في خطاباته يعلن الانتصار ، فهو قبل بالفعل خسارة شمال سوريا ومعظم شرقها وجنوبها في مقابل الاحتفاظ بباقي المناطق.

وماذا ترك للنظام .. ؟ المناطق التي تضم المدن الكبرى دمشق ، حلب ، حمص ، اللاذقية ، طرطوس ..  ، نعم صحيح هو سيكون وكيلا محليا في حكم هذه المناطق مثله مثل "المجالس المحلية" و "الادارات الذاتية" في باقي المناطق ، في احسن الاحوال سيكون شريكا يحمل جزءا من "الاسهم" وليس كل الاسهم ملكه في المنطقة.

فانه بالاضافة الى ان الدول " الحليفة" للنظام قد دعمته وشكلت له غطاءا سياسيا ودعما عسكريا غير محدود ليبقى ، ان انها فعلت ذلك لتبقى هي من خلاله ايضا.

وفي الخارطة العسكرية سنجد تموضعا للقوات الروسية والايرانية في عشرات المواقع على مدى اتساع المناطق التي يسيطر عليها النظام ، وطالما بقيت سوريا مقسمة وهي ضمن اتفاق "مناطق خفض التوتر" و"المرحلة الانتقالية" ستبقى هذه القوات ويكون للدول التي ارسلتها اليد الطولى في القرار في سوريا "النظام".

اذا فعلتها الدول كالعادة بشكل عكسي ، عوضا ان تبدأ بالحل السياسي ويتم تحويل الحل الى واقع بعد الاتفاق، فرضت الواقع اولا وسيأتي الاطار السياسي والاتفاق مكملا لازما تكرسيا للواقع وحفظ لماء الوجه لا اكثر.

الان بعد توقف القتال وتقسيم سوريا ، لا بد لعجلة الحياة ان تدور في مناطق النظام وفي غيرها من المناطق ، وهذا يتطلب انعاش الاقتصاد ، النافذة التي سيسوق من خلالها النظام عودته على الساحة الاقليمية والدولية ..

طبعا الاتفاق الحاصل والامر الواقع ، هو امر واقع للدول الاقليمية ايضا ، والتي ستنتهي عندها حالة "الصراع" في سوريا كانت مع او ضد النظام.

وتأتي مرحلة فتح الحدود وبناء الجسور في الحد الادنى لدفع عجلة الحياة ، وسيتواجد وفد لدولة مجاورة في مناطق النظام ووفد اخر في مناطق المعارضة ، سيقام هنا معمل وهناك مصنع وستمتد الازرع الاقتصادية كل بحسب مناطق نفوذه .. ولا شك بان النظام السوري سيبدأ بلبنان والاردن بترتيب معين يطول شرحه في هذا المقال.

اما بقاء الاسد ، نعم سبقى وستوافق القوى ان يبقى في "المرحلة الانتقالية " المثبتة باتفاقات سياسية ، في مناطق سيطرته رئيسا على المحافظات التي تقع ضمن هذه المناطق فقط وليس له شيء في باقي المناطق الخارجة عن سيطرته.

شاع بان الدول الغربية ستقبل بان يخوض الاسد الانتخابات ، نعم صحيح ولكن اين ستجري هذه الانتخابات .. ؟

في الرقة والحسكة والقامشلي .. في عزاز وتل رفعت .. في ادلب في درعا .. لا لن تجري انتخابات للاسد هناك ..

الحقيقة الانتخابات بدأت في بعض هذه المناطق وبدأت عملية تشكيل المجالس المحلية والادارات الذاتية التي تجري بدعم وتدريب وتنسيق من الولايات المتحدة في مناطق الشمال مثلا ، وبدأنا نسمع عن امور مشابهة في ادلب .. وهكذا .. بدون أي دور لسلطة الاسد صغيرا كان ام كبيرا ..

يريد اهل دمشق وحلب واللاذقية الاسد رئيسا عليهم .. فليكن .. لا يهم هذا يبقى تحصيل حاصل طالما ان كل من تلك القوى قد حصل على حصته من الكعكة.

ضمن هذا الاطار تغير موقف الغرب والدول الاقليمية من الاسد ، جاء لان الاسد تراجع عن "مطالبته" بسوريا موحدة تحت سيطرته وقبل بالفعل بالتقسيم والتوزيع الذي اصبح اليوم امرا واقعا .. لقد وفى بتعهداته للدول الضامنة ويطالب اليوم بحصته من القسمة لا اكثر ..

لذلك يمكن ان يسوق النظام ما هو حاصل اليوم بطرائق مختلفة ويطلق عليها اسماء وصفات بطولية و"انتصارية" .. لايهم ولن يأبه احد بهذا الكلام .. لان المهمة نفذت وانتهى وسوريا قسمت ووزعت الحصص ، فالدول التي باتت موجودة اليوم في ارض سوريا يهمها العنب .. وهي تعلم بان كل ما يهم في المقلب الاخر ( النظام) ان يبقى الناطور .. ناطور .. ولو على حبة عنب واحدة ..

 

نضال معلوف ..

 

 

28.08.2017 18:19