هل يتكرر سيناريو غزة في سوريا؟

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف من خلال هذا التسجيل رؤية نقدية عميقة للواقع السياسي والمؤسساتي في سوريا بعد عامين من سقوط النظام السابق، مسلطاً الضوء على "الخلل البنيوي" في السلطة الحالية، ومحذراً من مخاطر أمنية وجودية قد تؤدي إلى تكرار "سيناريو غزة" فوق الأراضي السورية.

أولاً: قضية محمد غميرة والمؤشرات المؤسساتية

انطلق التحليل من حادثة وفاة الشاب محمد غميرة في منطقة الحفة، الذي فارق الحياة نتيجة التعذيب بعد احتجازه بناءً على شكوى. واعتبر معلوف أن رد فعل السلطة والتحقيقات التي خلصت إلى أن الوفاة كانت "طبيعية" يعكس خللاً بنيوياً لا يمكن إصلاحه، مشيراً إلى النقاط التالية:

غياب القضاء المستقل: يرى معلوف أن القضاء في سوريا حالياً يفتقر للاستقلال تماماً، حيث يتم تعيين القضاة والنيابة وتشكيل لجان التحقيق من قبل السلطة التنفيذية نفسها، مما يجعل استرجاع الحقوق "منّة" من الحاكم وليس حقاً قانونياً. أداء المتحدثين الرسميين: انتقد معلوف زيارة نور الدين البابا (الناطق باسم وزارة الداخلية) إلى الحفة، حيث ركز الأخير في لقاء إعلامي على "جمال الطبيعة والمأكولات الشعبية" وتاريخ المدينة الثوري، متجاهلاً لب القضية وهي مقتل مواطن تحت التعذيب، وهو ما وصفه معلوف بـ "قلة الكفاءة والذوق". معايير بناء الدولة: يؤكد أن سوريا حصلت على "صفر" في كافة مؤشرات بناء الدولة (القضاء، فصل السلطات، التعددية الحزبية، والمحاسبة).

ثانياً: ظواهر القمع و"دولة المناشدات"

يرصد التحليل عودة أساليب تكميم الأفواه وسلب حرية التعبير تحت مسمى "السحسوح"، مستشهداً بحالة شخص من حمص أُجبر على الاعتذار بعد انتقاده لواقع الطرقات.

ظاهرة المناشدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي

أشار معلوف إلى تحول سوريا إلى "بلد المناشدات"، حيث يضطر المواطنون (سواء المعارضون أو المؤيدون) للجوء إلى السوشيال ميديا لاستجداء حقوقهم الأساسية، وهو ما يدل على:

انعدام الآليات المؤسساتية لمتابعة الحقوق. خروج المواطن تماماً من دائرة المراقبة والمحاسبة. اضطرار المظلوم لمناشدة "الأمير" أو "الرئيس" مع تقديم ديباجات الولاء لتجنب البطش، مما يعزز سلطة الاستبداد.

 

ثالثاً: "السلطة الملوثة" ومعوقات الاستثمار

استخدم نضال معلوف مصطلح "السلطة الملوثة" لوصف الإدارة الحالية (إدارة أحمد الشرع/الجولاني)، معتبراً أن جذورها المرتبطة بـ "القاعدة" تجعلها "منفّرة" للمجتمع الدولي والاستثمارات.

العائق

التوصيف والنتائج

التلوث الإرهابي

استمرار تصنيف شخصيات في السلطة على قوائم الارهاب يمنع الشركات الكبرى والبنوك من دخول السوق السورية.

غياب الثقة

لا يمكن بناء علاقة استثمارية مستدامة مع سلطة "جماعة" لا تؤمن بسيادة القانون وتعتبر الضرائب "غنائم".

الدعم السياسي (الطنبرة)

يرى معلوف أن الدعم الخارجي (مثل تصريحات ترامب) هو دعم سياسي معلق، لا يترجم إلى دولارات أو إعمار حقيقي طالما بقيت السلطة بصبغتها الحالية.

التبعية الطاقية

كشفت أزمة البنزين الأخيرة أن روسيا لا تزال المورد الوحيد للوقود، مما يثبت عجز السلطة عن بناء قنوات إمداد مستقلة.

رابعاً: خطر "سيناريو غزة" والتوغل الإسرائيلي

حذر معلوف من أن التوجهات الحالية للسلطة توفر لإسرائيل "طبقاً من ذهب" لتنفيذ اعتداءات وتوسيع نفوذها دون دفع ثمن سياسي دولي.

أمننة الخصم: تعمد إسرائيل إلى تأطير "حكومة الجولاني" كخطر أمني وجودي (يشبه علاقة تركيا بحزب العمال الكردستاني)، واصفة الجولاني بـ "سنوار 2". المنطقة الدفاعية الأمامية: أشار معلوف إلى تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي من داخل الأراضي السورية في الجنوب، معلناً إنشاء "منطقة دفاعية أمامية"، وهو ما يعني احتلالاً فعلياً لأجزاء من الجنوب السوري بذريعة حماية أمن إسرائيل من "السلطة الإرهابية". خطاب الكراهية كذريعة: انتقد معلوف هتافات أحد الفصائل في قلعة دمشق ضد "اليهود" (وليس ضد إسرائيل ككيان سياسي)، معتبراً أن هذا الخطاب العنصري تم تلقفه من الخارجية الإسرائيلية لتسويق فكرة أن "الجيش السوري معادٍ للسامية"، مما يبرر ضربه دولياً.

خامساً: وهم الإنجازات (قطاع الكهرباء نموذجاً)

انتقد التحليل "مطبلي السلطة" الذين يروجون لتحسن قطاع الكهرباء كإنجاز عظيم، موضحاً الحقائق التالية:

الكهرباء توفرت لأن السلطة رفعت الأسعار بنسب تصل إلى 600% و1000%، وحولتها لقطاع خاص استثماري (شركات قطرية أو تابعة لـ "حمشه"). لو قُبِل بهذا الرفع السعري في عهد النظام السابق لتوفرت الكهرباء بالمثل، فالمسألة ليست "إعجازاً إدارياً" بل تحميل المواطن التكلفة كاملة مع الأرباح. تحسن الكهرباء لا يغطي على الكوارث الأخرى مثل القتل تحت التعذيب، غلاء المعيشة، وضياع الحقوق السياسية.

سادساً: التساؤلات الوجودية والمستقبل

ختم نضال معلوف تحليله بالتأكيد على ضرورة احترام السوريين لعقولهم وطرح الأسئلة الصعبة:

المعادلة المستحيلة: هل يمكن لجماعة ذات فكر سلفي جهادي أن تتحول إلى مؤسسات دولة مدنية تنال ثقة العالم؟ التجارب التاريخية تقول "لا". الخطر القادم: يرى معلوف أن نفس القوى التي "طنبرت" حماس (قطر، تركيا) هي التي تطنبر الجولاني اليوم، محذراً من أن النتيجة قد تكون دماراً مشابهاً لما حل بغزة إذا استمرت السلطة في توفير الذرائع لإسرائيل.

المخرج المنشود: يكمن الحل في بناء سلطة مدنية "نظيفة" من التلوث التاريخي، قادرة على نزع الذرائع من يد المتربصين بسوريا، والبدء بمرحلة انتقالية حقيقية تقودها كفاءات وطنية وليست فصائلية

21.08.2026 12:40