تحليل المشهد البرلماني في سوريا الجديدة: بين أيديولوجيا "الشورى" وتحديات التمثيل الشعبي
يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل رؤية نقدية ومعمقة لوقائع الجلسة الأولى لمجلس الشعب (البرلمان) الذي انعقد في مناطق "سلطة الأمر الواقع" (إدارة الشرع)، مستعرضاً دلالات الخطاب السياسي والديني المرافق لهذا الحدث، ومحللاً الصراع الخفي بين الرؤية الأيديولوجية للسلطة التنفيذية والتطلعات المدنية للسلطة التشريعية الجديدة.
معضلة التمثيل والشرعية في مجلس الشعب الجديد
أشار نضال معلوف إلى أن الجلسة الأولى للمجلس أظهرت اختلافاً شكلياً ملحوظاً عما كان معهوداً في عهد نظام الأسد، من حيث المداخلات والاعتراضات. ومع ذلك، تبقى مسألة "التمثيل" هي العائق الأساسي أمام الاعتراف الشعبي بهذا الكيان.
تحديات التمثيل والمكونات السورية
يرى معلوف أن هذا المجلس يواجه أزمة هوية وتمثيل، حيث لا يشعر قطاع واسع من السوريين بأنه يعبر عنهم:
الإقصاء المكوناتي: يفتقر المجلس لتمثيل حقيقي لمكونات أساسية مثل الدروز (السويداء)، الأكراد، وأبناء الساحل السوري. مجلس "جمهور الشرع": وُصف المجلس بأنه يمثل فقط مؤيدي "الشرع" ومن تم اختيارهم عبر آليات إقصائية، مما يكرس حالة التقسيم الفعلي للأراضي السورية. ممارسات السلطة: تم بناء هذا المجلس في ظل ممارسات قمعية وإقصائية، بعيداً عن الحوار الوطني الحقيقي أو الإعلان الدستوري التوافقي.
الصراع الفكري: خطاب "الشورى" مقابل الديمقراطية
حلل نضال معلوف خطاب "الرئيس الشرع" في افتتاح المجلس، معتبراً إياه محاولة لـ "تبيئة المؤسسة دينياً" ومنحها أصلاً شرعياً يتجاوز المفاهيم المدنية الحديثة.
مقارنة بين مفاهيم الشورى والديمقراطية (حسب تحليل الخطاب)
وجه المقارنة
مفهوم الشورى (رؤية السلطة)
مفهوم الديمقراطية (البرلمان الحقيقي)
المرجعية
مرجعية دينية وأخلاقية (الشورى)
سيادة شعبية وتمثيل إرادة الشعب
الهدف
الوصول إلى "الرأي الأصوب"
تمثيل المصالح المتنافسة
الموقف من الاختلاف
"شر وعذاب" وفرقة تجب محاربتها
حق مشروع وجزء أساسي من النظام
طبيعة القرار
جماعي وملزم للحاكم (أحياناً) ويمنع التلاوم
قابل للطعن والتعديل والمحاسبة
المحاسبة
وسيلة لاستمداد الرأي وتوزيع عبء الفشل
أداة للرقابة على السلطة التنفيذية
أكد معلوف أن غياب مفردات مثل "الدولة المدنية"، "التعددية"، و"فصل السلطات" عن خطاب الافتتاح لم يكن صدفة، بل هو تهرب من الاستحقاقات الديمقراطية التي تمنح المعارضة حق الوجود والمحاسبة.
رسائل "جميل الحسن" وهادي العبد الله: لسان حال السلطة
تناول التحليل الظهور المثير للجدل للسيد جميل الحسن والسيد هادي العبد الله تحت قبة البرلمان، والرسائل التي وجهاها لأعضاء المجلس وللرأي العام.
تجريم التكتلات السياسية: اعتبر جميل الحسن أن تشكيل أحزاب أو تكتلات داخل البرلمان هو "جريمة" تفسد تضحيات الشعب، داعياً إلى أن يكون الصوت "منطقياً ومناطقياً" فقط. الناطقون بلسان "الشرع": يرى نضال معلوف أن هؤلاء الأشخاص لا يتحدثون من تلقاء أنفسهم، بل هم مقربون من القصر ومكلفون بإيصال رسائل تحذيرية لاعضاء المجلس وللجمهور، تهدف إلى قمع أي توجه نحو التعددية السياسية. الترهيب المعنوي: وصف معلوف هذا الخطاب بأنه "ترهيب معنوي" يصور الاختلاف السياسي كخطيئة أو خيانة للثورة، وهو ما يتطابق تماماً مع رغبة "الشرع" في تحويل البرلمان إلى "مجلس شورى" استشاري لا يملك سلطة فعلية للمحاسبة.شخصية رئيس مجلس الشعب: عبد الحميد العواك
توقف نضال معلوف مطولاً عند شخصية رئيس مجلس الشعب المنتخب، السيد عبد الحميد العواك، مبرزاً التناقض بين خلفيته الأكاديمية المدنية وبين التوجه الأيديولوجي للسلطة التنفيذية.
ملامح الفكر السياسي للعواك
من خلال تتبع لقاءاته السابقة، استخلص معلوف أن العواك يتبنى رؤية "تكنوقراطية" وأكاديمية متقدمة:
توصيف السلطة: يصف الحكومة الحالية بأنها "حكومة تسيير أعمال" وسلطة أمر واقع نشأت لضرورة واقعية، وليست سلطة شرعية كاملة. شرعية الإعلان الدستوري: يرى أن الإعلان الدستوري الحالي "ضعيف الشرعية" ومؤقت، ولا يخول السلطة البت في القضايا السيادية الكبرى. انتزاع الحريات: يؤمن العواك بأن الحريات لا تُمنح بل "تُنتزع انتزاعاً" من السلطة، محذراً من أن تسليم الحريات للسلطة يعني فقدانها للأبد. فصل السلطات: يتبنى مفهوم فصل السلطات المرن (النظام البرلماني) الذي يسمح للبرلمان بمحاسبة الحكومة وحجب الثقة عنها.علامات الاستفهام حول الأداء القادم
رغم إشادة معلوف بكفاءة العواك "كتكنوقراط"، إلا أنه أبدى تخوفاً من كونه شخصية "توافقية لين العريكة"، مما قد يجعله غير قادر على التصادم مع السلطة التنفيذية أو انتزاع صلاحيات المجلس الحقيقية في ظل هيمنة "الشرع".
التوقعات المستقبلية: صدام محتم أم تدجين كامل؟
يخلص نضال معلوف في رؤيته للمرحلة القادمة إلى عدة نقاط جوهرية ترسم ملامح الصراع السياسي في سوريا:
فجوة في قبضة السلطة: إن وجود مجلس شعب، حتى لو كان "مهندساً" من قبل السلطة، يخلق فجوة في قبضة "الشرع" المطلقة. سحب السلطة التشريعية من يد الرئاسة ووضعها في يد مجلس يضم شخصيات متنوعة هو "خرق" في جدار السلطة الحديدي. الصدام بين السلطتين: يتوقع معلوف وقوع صدامات وتوترات بين السلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة التنفيذية (الشرع ورفاقه). فالأعضاء، خاصة من ذوي الخلفيات الثورية، لن يقبلوا أن يكونوا "دُمى" كما كان الحال في عهد الأسد، خاصة تحت ضغط المطالب الشعبية والمعيشية. ارتباك السلطة التنفيذية: اعتبر معلوف أن خطاب "الشرع" التحذيري، ورسائل جميل الحسن، تدل على وجود "قلق ومخاوف" لدى القيادة من عدم القدرة على السيطرة التامة على أداء المجلس. المسار نحو الدولة المدنية: يظل الرهان على قدرة رئيس المجلس وأعضائه في تحويل هذا الكيان من "مجلس شورى" ديني إلى برلمان حقيقي يمثل تطلعات السوريين في التعددية والمحاسبة، وهو مسار طويل وشاق قد يواجه بالتعطيل أو الضغوط التنفيذية.ختاماً، يؤكد نضال معلوف أن هذا المجلس، رغم افتقاره للتمثيل الشامل لكل السوريين، يمثل مرحلة انتقالية حساسة قد تشهد محاولات لانتزاع السيادة الشعبية من براثن الأيديولوجيا الأحادية، مما يجعل مراقبة أدائه في الأيام القادمة أمراً بالغ الأهمية لمستقبل سوريا.