مقالات رئيس التحرير

هل نحن على ابواب ثورة اخرى !؟

19.03.2026 | 19:08

استعرض في هذه الحلقة رؤية تحليلية معمقة لمسار الثورة السورية في ذكراها، مع التركيز على مفهوم "صناعة الانفجار" كأثر حتمي للنظم الديكتاتورية.

تخلص المادة إلى أن الثورة في الدول الشمولية ليست فعلاً هندسياً منظماً، بل هي انفجار اجتماعي ناتج عن انسداد الأفق السياسي وتغول السلطة.

وتبرز الوثيقة تحذيراً حاداً من الوقوع في "فخ المنتصر والمهزوم"، حيث يتم استبدال استبداد قديم بآخر جديد تحت ذريعة "شرعية المعاناة".

كما ترصد الوثيقة مؤشرات متزايدة على إمكانية تشكل موجة ثورية ثانية في سوريا نتيجة تلاقي عوامل الانسداد السياسي، التدهور الاقتصادي، وتآكل هيبة الدولة، رغم وجود عائق "الإرهاق الاجتماعي" الذي يكبح هذا الانفجار حالياً.

أولاً: مفهوم الثورة في النظم الديكتاتورية (صناعة الانفجار)

يطرح المحتوى رؤية نقدية تعتبر أن النظام الديكتاتوري هو المسؤول الوحيد عن فوضى الثورات، وذلك بناءً على النقاط التالية:

حتمية الانفجار: عندما تحتكر السلطة كافة المؤسسات، وتمنع المعارضة، وتقمع المجتمع لعقود، فإن الانفجار يصبح قدراً محتوماً وليس قراراً تنظيمياً.

الثورة كأداة هدم لا بناء: الثورة في الأنظمة القمعية هي "قوة كاسرة" لحالة الانسداد، ومهمتها الأساسية هي هدم النظام الذي أغلق كافة المسارات السلمية، وليست مشروعاً هندسياً جاهزاً للبناء الفوري.

غياب النخب: يتساءل البعض عن غياب النخب السياسية عن قيادة الثورة، والرد هو أن الديكتاتور هو من سجن ونفى تلك النخب ومنع تكوين الأحزاب، مما يجعل الثورة حركة هدم شعبية واسعة أكثر من كونها مشروعاً فكرياً تقوده نخب.

 

ثانياً: فخ "المنتصر والمهزوم" وإعادة إنتاج الاستبداد

تحذر الوثيقة من تحول الثورة إلى مجرد عملية استبدال طبقة ظالمة بطبقة أخرى تدعي "الانتصار":

امتياز الثائر: يظهر في المشهد السوري حالياً توجه لمنح "امتيازات" لمن يصفون أنفسهم بالثوار على حساب بقية المجتمع، وهو ما يعد تأسيساً لحقبة استبداد جديدة.

شرعية المعاناة مقابل الكفاءة: المعاناة والظلم يمنحان الحق في "العدالة والكرامة" (من خلال العدالة الانتقالية)، لكنهما لا يمنحان الحق التلقائي في "السلطة واحتكار الدولة". المعيار الحقيقي للحكم يجب أن يكون الكفاءة وسيادة القانون.

نموذج الثورة الفرنسية: يُستحضر "عهد الإرهاب" في الثورة الفرنسية كمثال على انحراف الثوار عندما اعتبروا أنفسهم الممثلين الوحيدين للشعب، مما أدى لقمع الخصوم واحتكار الحقيقة.

 

ثالثاً: مؤشرات الموجة الثورية الثانية في سوريا

تشير التحليلات إلى أن سوريا تعيش حالياً ظروفاً مشابهة لما قبل عام 2011، مما قد يؤدي إلى موجة ثورية ثانية، استناداً إلى مثلث عوامل الانفجار:

1. الانسداد السياسي

إعادة بناء نظام مغلق يمنع المشاركة السياسية الحقيقية.

استمرار عقلية تخوين المعارضة وتهميش أي صوت مستقل.

تحول السلطة الحالية (سلطة الشرع) إلى نموذج مستبد يتشابه مع نظام الأسد، بل ويتفوق عليه في بعض أوجه السوء والقمع.

2. التدهور الاقتصادي الشديد

انهيار القدرة الشرائية وتفاقم التضخم.

فقدان الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الخبز).

عجز المواطن عن تأمين أدنى مقومات العيش، مما يحول المطالب من اقتصادية إلى سياسية تنادي بـ "إسقاط النظام".

3. تآكل هيبة الدولة والنظام العام

تراجع السيطرة الأمنية: رصد حوادث سرقة وجرائم قتل حتى في المناطق التي كانت تعتبر آمنة (مثل المزة في دمشق وحلب).

الاحتجاجات الفئوية: تكرار الوقفات الاحتجاجية والإضرابات (أشرفية صحنايه، طفس، دير الزور) نتيجة غياب الحلول المؤسساتية.

التجاسر على السلطة: رصد حالات اعتداء على رجال الشرطة وتحدي الأوامر الرسمية، مما يدل على ضعف القبضة المركزية.

 

رابعاً: عائق "الإرهاق الاجتماعي"

تفسر الوثيقة سبب عدم انفجار الثورة الثانية بشكل كامل حتى الآن رغم توفر أسبابها بوجود حالة من "الإرهاق المجتمعي":

المجتمع السوري منهك بعد سنوات الحرب الطويلة والنزوح والدمار.

هناك تردد شديد في العودة إلى مربع الصراع المفتوح والمجهول.

القبول الحالي بالسلطة القائمة ليس ناتجاً عن الرضا، بل عن التعب والرغبة في الاستقرار الهش، وهو ما يمنح السلطة وقتاً إضافياً لكنه لا يضمن استدامتها.

خامساً: مبادرات التكافل الاجتماعي والحفاظ على الذاكرة

في ظل تآكل دور الدولة، تبرز ضرورة العمل المجتمعي والتوثيقي:

حفظ الذاكرة السورية: العمل على أرشفة الصحافة، الدراما، والشخصيات السورية.

التكافل المعيشي: تشجيع مبادرات مثل "نمليتنا" (وضع الفائض من الطعام والاحتياجات في أماكن عامة للمحتاجين) والطبخ الجماعي في الأحياء لتقليل التكاليف.

التنسيق المحلي: دعوة المجتمعات المحلية لتنظيم نفسها لمواجهة تحديات الأمن والحاجة المعيشية، بعيداً عن انتظار الحلول من السلطة العاجزة.

 

سادساً: اقتباسات مركزية من السياق

"الثورة ليست هندسة معمارية تضمن النجاح الفوري، هي قوة كاسرة لحالة الانسداد الكامل تفتح الطريق الذي أغلقه النظام."

"الديكتاتور يشبه شخصاً جفف الأرض وأزال كل وسائل الإطفاء، وعندما تشتعل النار يتساءل: لماذا لم يكن الحريق منظماً؟"

"المعاناة تعطي حقاً أصيلاً في العدالة والكرامة، لكنها لا تعطي حقاً في السلطة واحتكار الدولة."

"الشرعية لا تأتي من احتكار الماضي، بل من القدرة على بناء المستقبل."

 

خاتمة التحليل

إن المشهد السوري الحالي يقف على أعتاب مرحلة انتقالية قلقة. إن الاستمرار في إنتاج نظام ديكتاتوري جديد تحت أي مسمى سيعني حتماً الوصول إلى انهيار آخر. الحل الوحيد للخروج من دورة الصراع هو الانتقال إلى "دولة القانون والمؤسسات" التي تنهي التمايز بين السوريين وتضع حداً لاحتكار السلطة، مع ضرورة تفعيل العدالة الانتقالية كركيزة أساسية للسلم الأهلي.

 


TAG:

لجنة التحقيق الدولية بشان سوريا: الانتهاكات في الساحل والسويداء قد ترقى الى جرائم حرب

أصدرت لجنة التحقيق الدولية بشان سوريا الجمعة تقريرها السنوي الذي تضمن الانتهاكات في المجازر في الساحل والسويداء وعمليات القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب وسوء المعاملة والوفيات أثناء الاحتجاز والاختفاء القسري والاختطاف وانتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات.