يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل قراءة للواقع السوري الراهن تحت إدارة "أحمد الشرع"، معتبراً أن المشهد الحالي تجاوز مرحلة الأمنيات السياسية ليصل إلى توصيف واقعي لحالة من "الفشل الكلي" و"الاستعصاء" الذي لا يمكن التعامل معه إلا بتغيير الإدارة بشكل كامل. يرى معلوف أن سوريا تعيش حالة من الانتظار القلق، حيث فقدت السلطة الحالية مبررات استمرارها نتيجة عجزها عن حماية المؤسسات، الاقتصاد، وحتى الهوية الوطنية السورية.
أولاً: الاستعصاء السياسي وحتمية الرحيل
يؤكد نضال معلوف أن المطالب برحيل السلطة لم تعد مجرد شعارات، بل هي نتيجة طبيعية لفشل إداري شمل كافة النواحي. ويركز التحليل على النقاط التالية:
- الفشل الكلي: عندما تصل الإدارة إلى عجز كامل عن ترميم الثغرات، يصبح تغييرها ضرورة للحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها.
- حالة الإنكار: تعيش السلطة والحلقات المستفيدة حولها (من ليبراليين ومنتفعين) حالة من الإنكار للواقع، بينما يتسع السخط الشعبي ليشمل كافة الشرائح، لا سيما "القاعدة السنية" التي عادت لتشعر بالمظلومية تحت حكم من ادعى تمثيلها.
- فقدان الثقة: خسرت الإدارة الحالية الفرصة التاريخية لكسب ثقة السوريين والمجتمع الدولي، مما جعل أي تقدم مرهوناً بإزاحة هذه الإدارة برموزها وما تمثله.
ثانياً: الصراع الثقافي وتآكل الهوية السورية
يسلط معلوف الضوء على تحول قضايا ثانوية، مثل إقامة حفل موسيقي، إلى "قضية وطنية" كبرى، مما يعكس مدى الانحدار الذي وصلت إليه البلاد:
- أزمة حفل أصالة نصري: يرى معلوف أن الجدل حول إقامة حفل للمطربة السورية أصالة نصري يبين مدى "الهوان والواقع المؤلم"، حيث أصبح السوريون مضطرين للدفاع عن حقهم البديهي في استماع الموسيقى.
- بيان "صيانة الهوية": ينتقد معلوف بشدة البيان الذي وقعه مسؤولون (من بينهم أنس الدغيم، المدير العام للمراكز الثقافية) وأعضاء في مجلس الشعب، والذي اعتبر إقامة الحفلات "إغضاباً لله وإفساداً للمجتمع". يصف معلوف هذا التوجه بأنه محاولة لفرض هوية غريبة عن تاريخ سوريا المتمدن، مشبهاً هذه العقلية بنموذج "أفغانستان".
- الانتكاسة التعليمية: يشير التحليل إلى قرار فصل الذكور عن الإناث في مدرسة "اللاييك" بدمشق لأول مرة منذ عام 1927، معتبراً ذلك خرقاً لوعود السلطة ببناء دولة مدنية علمانية، وصفعة لخارطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس الفرنسي ماكرون سابقاً.
ثالثاً: الانهيار الاقتصادي وصرخة المؤسسة الدينية
استشهد نضال معلوف بمقطع مصور للشيخ "سمير إبراهيم" و"محمد خير الغباني الحسيني" لتوضيح عمق الفجوة بين السلطة والواقع المعيشي:
- الأرقام الصادمة: تشير المعطيات إلى أن أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، و70% لا يجدون لقمة الخبز، مع انتشار مخيف للأمراض المزمنة مثل السرطان والتصلب اللويحي وسط غياب كامل للأدوية.
- أزمة الرواتب: انتقد الشيخ سمير إبراهيم وزارة الأوقاف، مشيراً إلى أن راتب العامل في القطاع الديني لا يتجاوز 90 دولاراً، متسائلاً: "كيف يعيش المواطن بهذا المبلغ؟"، بينما كانت الرواتب قبل عام 2009 تصل إلى 300 دولار.
- فساد الأوقاف: وُصفت وزارة الأوقاف بأنها من أغنى الوزارات، إلا أن أموالها "تُسرق" ولا تُستثمر في تخفيف وطأة الفقر أو بناء مشاريع صحية وقفية، مع وجود حاجب يحجب المسؤولين عن سماع أنين الفقراء.
رابعاً: وهم "النجاح الخارجي" وضياع السيادة
يفند معلوف الادعاءات التي تقول إن إدارة الشرع نجحت خارجياً رغم فشلها داخلياً، موضحاً الآتي:
- دبلوماسية من طرف واحد: تعيين سفراء أوروبيين في دمشق دون السماح بتعيين سفراء سوريين في المقابل هو "إذلال" وليس نجاحاً، حيث تُعامل الإدارة كجهة "أمر واقع" تحت الاختبار والاحتواء، لا كدولة ندية.
- انعدام الاستثمار: لا يمكن جذب استثمارات حقيقية في ظل غياب القوانين والشفافية. يرى معلوف أن العالم ينتظر "البديل الجدير بالثقة" ولن يضخ أموالاً في صناديق سيادية تديرها حلقات ضيقة.
- مخاطر الاستملاك العقاري: أشار معلوف إلى بيان مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الذي دعا لتعليق قوانين الاستملاك الحالية، مؤكداً أن أي مستثمر يدخل في مشاريع على أراضٍ متنازع عليها سيواجه ملاحقات قضائية مستقبلاً، محذراً السوريين من خسارة مدخراتهم في مشاريع عقارية غير مضمونة (مثل أبراج الفردوس وبوليفارد حمص).
خامساً: تآكل الحاضنة وهروب المنتفعين
يتوقع نضال معلوف سيناريو تفكك السلطة من الداخل:
- انفضاض المنتفعين: بدأ "المنتفعون" من ليبراليين ونخب بالابتعاد مع جفاف الموارد المالية وفشل الوعود بتحويل سوريا إلى "سنغافورة".
- فشل "الطبول" الإعلامية: يرى معلوف أن الماكينة الإعلامية التي كانت تروج للإنجازات الوهمية بدأت تتهاوى، حيث بدأ المروجون للسلطة بالتصادم مع بعضهم البعض نتيجة العجز عن تبرير الفقر والجوع.
- رسالة إلى الداخل: يدعو معلوف السوريين لعدم المراهنة على إصلاح هذه السلطة، واصفاً إياها بأنها "تتاجر بالدين" لشرعنة بقائها بينما هي مفلسة مالياً وأخلاقياً.
سادساً: الثوابت والحقائق المستخلصة (جدول توضيحي)
|
المجال |
الحالة الراهنة في ظل إدارة الشرع |
|
الوضع المعيشي |
فقر يتجاوز 80%، رواتب لا تغطي الاحتياجات الأساسية (90$). |
|
الحريات العامة |
تهديد مباشر للحياة الثقافية والموسيقية تحت ذريعة "صيانة الهوية". |
|
السيادة الوطنية |
تبعية للخارج، غياب الندية الدبلوماسية، وبقاء رموز النظام السابق على الوثائق الرسمية. |
|
الإدارة والشفافية |
غياب الميزانيات الحقيقية، تفشي الفساد كأداة لكسب الولاء، وفشل مشاريع الإعمار. |
|
الموقف الدولي |
سياسة "احتواء لمنع الفوضى" بانتظار إعداد البديل، مع فقدان الثقة في الوعود الإصلاحية. |
يختتم نضال معلوف رؤيته بالتأكيد على أن سوريا تعيش "حالة انتظار" لا يمكن أن تنتهي إلا بزوال هذه الإدارة التي أصبحت عبئاً على الشعب السوري وعلى مستقبل الدولة. إن الحل لا يكمن في استبدال أفراد بأفراد من نفس الانتماء ("منّا ومنهم")، بل في العودة إلى "دولة القانون والمؤسسات" التي تحترم حرية الإنسان وكرامته بعيداً عن الوصاية الأيديولوجية أو القمع الإداري.
























