ملخص تنفيذي
يُعد خالد العظم (1903-1965) أحد أبرز الوجوه السياسية في تاريخ سورية المعاصر، ولا سيما خلال فترة "الجمهورية الأولى". شغل العظم منصب رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة ورأس الحكومة ست مرات، وتولى حقائب وزارية زادت عن العشرين مرة.
تميزت مسيرته بكونه "نموذجاً للوسطية السياسية"، حيث استطاع الحفاظ على استقلاليته بعيداً عن الاستقطابات الحزبية الحادة بين "حزب الشعب" و"الكتلة الوطنية".
لُقب بـ "المليونير الأحمر" نظراً لتناقض خلفيته الأرستقراطية الإقطاعية مع سياساته الاقتصادية الداعمة للفقراء وتحالفاته الدولية مع الاتحاد السوفيتي.
انتهت مسيرته السياسية قسراً بانقلاب حزب البعث عام 1963، مما أدى إلى نفيه ومصادرة أملاكه حتى وفاته في بيروت.
1. الخلفية الشخصية والنشأة
الجذور العائلية: ولد في دمشق عام 1903 لعائلة "العظم" العريقة، التي خرج منها خمسة ولاة لدمشق في العهد العثماني. والده محمد فوزي العظم، كان رئيس بلدية دمشق ووزيراً للشؤون الدينية.
التعليم: تلقى تعليمه بين دمشق وإسطنبول، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة دمشق عام 1923.
السمات الشخصية: وُصف بأنه "صاحب شخصية جذابة" و"ذكي" و"ذو بال طويل"، إلا أن منتقديه وصفوه بـ "المتعجرف" لفخره بأرستقراطيته الإقطاعية.
اللغات: كان يتقن العربية، والتركية، والفرنسية، والإنجليزية.
2. العقيدة السياسية والنهج "الوسطي"
مثّل خالد العظم تياراً فريداً في السياسة السورية، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
الاستقلالية: ظل مستقلاً سياسياً، مما مكنه من تشكيل حكومات في عهود القوى المتنافسة (الكتلة الوطنية وحزب الشعب).
الليبرالية والإسلام المعتدل: قدم نموذجاً للرأسمالية السورية الممزوجة بالليبرالية السياسية والتدين المعتدل.
التنمية المتوازنة: رغم كونه من كبار الملاك والإقطاعيين، إلا أن سياساته المالية دعمت إنصاف الطبقات الفقيرة والتنمية الاقتصادية الشاملة.
التحالفات البراغماتية: كان أول من دشن التحالف مع الاتحاد السوفيتي لترتيب قروض وصفقات أسلحة، رغم خلفيته الرأسمالية، مما أثار حفيظة الولايات المتحدة التي اعتبرته شخصية "خطيرة".
3. السجل الحكومي والمناصب القيادية
شغل العظم مناصب مفصلية عبر عدة عقود:
رئاسة الدولة (مؤقتة): تولى الرئاسة بالوكالة عام 1941 للإعداد لعودة الحياة الدستورية.
رئاسة الوزراء: شكل ست حكومات 1941، 1948، 1949، 1951، 1962.
الحقائب الوزارية: تولى وزارات الخارجية، الدفاع، المالية، والعدلية في فترات مختلفة.
النشاط الدبلوماسي: عمل سفيراً لسوريا في فرنسا، ونجح في إبرام صفقات تسليح حيوية.
4.الإنجازات الاقتصادية والسيادية
تركت حكومات العظم بصمات واضحة على بنية الدولة السورية:
الاستقلال النقدي: قاد "ثورة نقدية" ألغت حق المصرف السوري (المرتبط بفرنسا) في إصدار النقد، وحصرت هذا الحق بـ "مؤسسة إصدار النقد السوري"، مما رفع قيمة الليرة السورية لتساوي 405 ميلليغراماً من الذهب.
البنية التحتية والصناعة:
تأسيس غرفة صناعة دمشق (1935).
تأسيس مصنع الإسمنت الحكومي (1930).
تأسيس مرفأ اللاذقية.
مشروع صوامع الحبوب في المنطقة الشرقية ومصانع النسيج الوطني.
التخطيط لبناء سد "يوسف باشا" على نهر الفرات ومشاريع سكك الحديد.
السيادة والقانون: ألغى الامتيازات الأجنبية في البلاد خلال توليه وزارة العدلية عام 1946.
5. المواقف من القضايا العربية والإقليمية
نكبة فلسطين: واجهت حكومته الثالثة (1948) تداعيات الهزيمة، والتزمت في بيانها بـ "تحرير فلسطين"، ووقعت اتفاق الهدنة عام 1949 كآخر دولة عربية تقوم بذلك.
المحاور العربية: حاول موازنة علاقات سوريا بين المحور (السعودي - المصري) والمحور الهاشمي (العراقي - الأردني)، مؤكداً على قبول الدعم من أي جهة تخدم مصلحة سوريا.
الوحدة مع مصر: عارض العظم بشدة وحدة عام 1958 مع مصر، معتبراً أن جمال عبد الناصر "سيدمر النظام الديمقراطي واقتصاد السوق الحرة"، مما أدى لاعتزاله الحياة السياسية وهجرته إلى لبنان خلال فترة الوحدة.
وثيقة الانفصال: ساهم بنفسه في صياغة وثيقة الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961.
6. الصراع مع العسكر والنهاية
كانت علاقة العظم بالمؤسسة العسكرية متوترة وتصادمية في أغلب الأحيان:
الانقلابات: تعرض للاعتقال والسجن خلال انقلاب حسني الزعيم (1949) وانقلاب أديب الشيشكلي.
مقاومة التدخل العسكري: رفض تدخل الجيش في توزيع المناصب السياسية، وحاول تحييد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات البرلمانية، مما أدى لضعف بعض حكوماته وسقوطها.
انقلاب البعث والنفي: بعد وصول حزب البعث للسلطة في 8 آذار 1963، غادر العظم إلى لبنان. صادرت السلطات الجديدة أملاكه، وعاش في بيروت بظروف مادية صعبة.
الوفاة: توفي في بيروت عام 1965. أوصى بأن يدفن قرب الإمام الأوزاعي في بيروت لتجنب أي اضطرابات في دمشق قد تؤدي لسقوط ضحايا من أنصاره.
7. مذكرات خالد العظم
تعتبر مذكراته السياسية التي نُشرت في جريدة "النهار" اللبنانية ثم في كتاب، مرجعاً تاريخياً هاماً، رغم ما يحيط بها من جدل حول تعرضها للتحريف أو التبديل بعد وفاته. وصفت شخصيته في الدراما التاريخية (مثل مسلسل حمام القيشاني) بأنها من أكثر الشخصيات "إشكالية وغموضاً" في تاريخ سوريا المعاصر.