ملخص برنامج على الطاولة على الاخبارية السورية في لقاء مع وزير المالية محمد يسر برنية بتاريخ 24 اذار 2026
1. مقدمة: فجر جديد للسياسة المالية السورية
تمثل المراسيم التشريعية الأخيرة (67، 68، 69، 70) أكثر من مجرد استجابة لضغوط معيشية؛ إنها إعلان رسمي عن ولادة "الدولة السورية الجديدة" بصبغة مالية مغايرة تماماً لما كان سائداً.
ففي حين اعتمد "النظام البائد" سياسات التمويل بالعجز وطباعة العملة غير المغطاة، تنتهج الوزارة اليوم استراتيجية "التعافي المبني على الموارد الحقيقية" لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسساته.
لقد حمل حوار وزير المالية الأخير رسائل مكاشفة غير مسبوقة، مفادها أن الاستقرار الحالي ليس وليد المصادفة، بل نتيجة التخلي عن الديون المرهقة والاعتماد على الذات.
الهدف الجوهري هو طمأنة السوريين بأن كل ليرة تُصرف في بنود الرواتب أو الإنفاق العام هي ليرة حقيقية ناتجة عن نشاط اقتصادي، وليست "ديناً" يثقل كاهل الأجيال القادمة.
هذا التحول هو الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار النقدي وبدء رحلة نمو مستدامة تلمس الجيوب والبيوت.
2. زيادات الرواتب: بين "العادية" و"النوعية" وتحصين الكفاءات
تستند الفلسفة المالية الحالية إلى مبدأ "التحصين والإنصاف". فبينما وفرت الزيادة العامة حداً أدنى من المواكبة للظروف الراهنة، جاءت الزيادات "النوعية" كدرع حماية للقطاعات التي تشكل عصب الدولة، لضمان كرامة الكادر البشري ومنع تسرب الكفاءات أو انزلاقها نحو الفساد.
أبرز ملامح منظومة الأجور الجديدة:
المرسوم 67 و68: شملت الزيادات النوعية 7 جهات استراتيجية (الصحة، التعليم العالي، التربية، القضاء، الأجهزة الرقابية المالية، الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ومصرف سوريا المركزي).
القفزات الرقمية: وصلت الزيادة في بعض القطاعات "المحصنة" إلى 1500% مقارنة بما كانت عليه قبل التحرير، في حين سجل قطاع التعليم زيادة بلغت 500% للمدرسين، مما يعكس الأولوية القصوى لبناء الإنسان.
علاوة المناطق النائية: تقديراً للجهد الاستثنائي، تم إقرار علاوة إضافية بنسبة 25% للكوادر الطبية والتعليمية العاملة في المناطق النائية والريفية، لتشجيع الاستقرار الخدمي في كافة ربوع البلاد.
العدالة المناطقية: تم رسمياً إنهاء "الفجوة السعرية للبشر"؛ فالطبيب أو القاضي في إدلب يتقاضى اليوم نفس الراتب والمزايا التي يتقاضاها زميله في دمشق، مما يكرس وحدة الدولة اقتصادياً واجتماعياً.
3. ملف المتقاعدين: حقوق "كبار القدر" والاستدامة المالية
يأتي ملف المتقاعدين على رأس أولويات القيادة، حيث ترفض الوزارة تسمية "التأخير" بالإهمال، بل هو "تأخير فني" تفرضه ضرورة إصلاح المؤسسات التأمينية (التأمينات الاجتماعية والتأمين والمعاشات) لضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها مستقبلاً.
الموعد والنسبة: من المتوقع الإعلان عن الزيادة وبدء صرفها في شهر أيار (الشهر الخامس)، وستكون زيادة "منصفة" توازن بين حاجة المتقاعد والقدرة المالية للصناديق.
الرعاية الصحية: قبل نهاية العام، تخطط الدولة لتوسيع مظلة "التأمين الطبي" لتشمل المتقاعدين، مع التركيز على تغطية الأدوية المزمنة والخدمات الطبية الأساسية، كرسالة رد جميل لهذه الفئة التي أفنت عمرها في خدمة الوطن.
4. خزينة الدولة: الشفافية كبديل لطباعة العملة
يكمن التحدي الأكبر في تمويل هذه الزيادات دون الوقوع في فخ التضخم. وهنا تبرز أهمية "الموارد الحقيقية"؛ فالوزارة لم تطبع ليرة واحدة لتمويل الرواتب، وهو ما يحمي القوة الشرائية للمواطن من "التبخر" الذي تسببه سياسات النظام "البائد".
هيكل إيرادات موازنة 2025 (نحو الشفافية الكاملة):
|
مصدر الدخل |
النسبة |
ملاحظات إضافية |
|
الرسوم الجمركية والضرائب |
60% |
ناتجة عن مكافحة التهرب والعدالة الضريبية. |
|
النفط والغاز |
20% |
لأول مرة: يتم إدراجها بشفافية مطلقة ضمن الخزينة. |
|
إيرادات أملاك الدولة والاستثمارات |
15% |
ناتجة عن إدارة رشيدة للأصول العامة. |
|
المنح الخارجية الاستراتيجية |
5% |
تشمل 86-87 مليون دولار (سعودي-قطري) لدعم الرواتب، و146 مليون دولار (بنك دولي) للكهرباء. |
لماذا يهمنا "الفائض المالي"؟ تحقيق فائض قدره 46 مليون دولار في عام 2025 ليس مجرد رقم، بل هو شهادة نجاح في "تجفيف منابع الفساد".
فغياب الصفقات الوهمية والرقابة المشددة على الإنفاق مكن الدولة من تمويل نفسها ذاتياً، مما يعزز استقلال القرار الوطني بعيداً عن ارتهان الديون.
5. معركة الأسعار: صرخة بوجه الجشع ودور المجتمع
يبقى السؤال المؤرق: لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن الكامل رغم الزيادات؟ الحقيقة المالية تؤكد أن الزيادة الحالية ليست هي المحرك للتضخم، بل هناك عوامل "سلوكية" و"هيكلية" يجب مواجهتها.
إن الفجوة السعرية التي كشفها الوزير بين دمشق ودبي لبعض السلع (كالحلويات الفاخرة) هي دليل قاطع على وجود "جشع غير مبرر" وضعف في التنافسية. وهنا لا بد من وقفة؛ فالرقابة ليست مسؤولية وزارة التموين وحدها، بل هي معركة "المجتمع المدني" وجمعيات حماية المستهلك التي يجب أن تنشط لكشف المغالاة في الأسعار وتفنيد التكاليف الحقيقية أمام الرأي العام.
6. تحفيز الإنتاج: من الركود إلى الحركة عبر المراسيم 69 و70
التعافي الاقتصادي لا يكتمل بالرواتب فقط، بل بإعادة عجلة المصانع للدوران. المراسيم الأخيرة هي "قبلة الحياة" للقطاع الإنتاجي:
المرسوم 69: يمنح أكثر من 30 ألف منشأة متضررة إعفاءات ضريبية كاملة (100%) لمدة 4 سنوات، شرط إعادة التشغيل.
المرسوم 70 (التاريخي): يعالج ملفات 218 ألف مقترض متعثر، غالبيتهم من ذوي الدخل المحدود، عبر إلغاء الغرامات وجدولة الديون وفك الحجز عن أصولهم، لإعادتهم إلى الدورة الاقتصادية.
الغاية الكبرى: الدولة لا تمنح هذه التسهيلات "مجاملة" لرجال الأعمال، بل هي مقايضة استراتيجية هدفها النهائي خلق فرص عمل مئات الآلاف من الشباب السوري.
7. الخاتمة: نحو عام 2026 وأفق التنمية الشاملة
تتجه الدولة بخطى ثابتة نحو إغلاق ملف "فجوات الرواتب" نهائياً بنهاية عام 2026، لتبدأ مرحلة جديدة يحكمها قانون الخدمة المدنية (المتوقع في 2027-2028). هذا القانون سيربط الزيادات بمعياري "غلاء المعيشة" و"الأداء"، مما ينهي عشوائية الأجور ويحفز الإنتاجية.
ومع رصد ميزانية ضخمة تصل إلى 3 مليار دولار لمشاريع استراتيجية (مثل "سوريا بدون مخيمات" وتنمية مناطق الجزيرة والجنوب)، تتضح ملامح المستقبل: دولة قوية بمواردها، عادلة مع كفاءاتها، وشفافة مع مواطنيها. إنها دعوة للعمل بشراكة حقيقية؛ فالدولة والمواطن والقطاع الخاص هم أضلاع مثلث واحد لبناء سوريا المزدهرة.