محمد كرد علي: مؤسس مجمع اللغة العربية ورائد الفكر والإصلاح

19.03.2026 | 18:59

يُعد محمد كرد علي واحداً من أبرز أعمدة الفكر والأدب في تاريخ سوريا الحديث، فهو الرجل الذي كرس حياته لخدمة اللغة العربية وإعلاء شأن الثقافة، وترك بصمة واضحة كأول وزير للمعارف في سوريا ومؤسس لأول مجمع لغوي في الوطن العربي.

 

النشأة والبدايات

وُلد محمد بن عبد الرزاق كرد علي في مدينة دمشق عام 1876م، ونشأ في أسرة كريمة تجتمع فيها أصول متنوعة، حيث كان والده كردياً ووالدته شركسية. منذ صغره، أظهر شغفاً كبيراً بالمعرفة، ولقي تشجيعاً كبيراً من والده الذي كان يساعده في اقتناء الكتب وتنمية هواية القراءة لديه.

تلقى تعليمه الأولي في مدارس دمشق، حيث تعلم مبادئ العلوم الإسلامية والحساب والقراءة والكتابة. ولم يكتفِ بالتعليم المدرسي، بل اتصل بكبار علماء عصره في دمشق، فنهل من علمهم في اللغة والبلاغة والفقه والفلسفة والتاريخ، مما ساهم في تكوين شخصيته الثقافية الموسوعية.

رحلة العلم واللغات

تميز محمد كرد علي بإتقانه لعدة لغات إلى جانب لغته الأم العربية، وهي التركية والفرنسية والكردية. بدأت حياته العملية مبكراً، حيث عمل كاتباً في الشؤون الأجنبية وهو في السابعة عشرة من عمره بفضل تمكنه من اللغات. كما دخل عالم الصحافة من بابه الواسع، فعمل في تحرير جريدة "الشام"، ثم بدأت شهرته تمتد إلى خارج سوريا عندما أصبح يراسل المجلات العلمية والأدبية الشهيرة في مصر.

 

مسيرة حافلة بين دمشق والقاهرة وباريس

تنقل محمد كرد علي في حياته بين عدة مدن هامة، مما أغنى تجربته الفكرية:

في مصر: سافر إليها مرتين، وعمل في كبرى جرائدها ومجلاتها، وأسس هناك مجلته الشهيرة "المقتبس" التي كانت تُعنى بالبحوث العلمية والأدبية.

في فرنسا: غادر دمشق سراً في إحدى الفترات نتيجة ضغوط سياسية، وأقام في باريس حيث اطلع على حركتها العلمية والتقى بمفكريها وسياستها، ودوّن تفاصيل هذه الرحلة في مقالات شهيرة.

في سوريا: عاد ليواصل مشروعه الثقافي والصحفي، حيث أعاد إصدار مجلة وجريدة "المقتبس" من قلب دمشق.

 

تحقيق الحلم: مجمع اللغة العربية

كان الحلم الأكبر لمحمد كرد علي هو إنشاء مجمع علمي يحمي اللغة العربية ويطورها. وتحقق هذا الحلم في عام 1919م بعد استقلال سوريا عن الدولة العثمانية، حيث نجح في إقناع السلطات آنذاك بتحويل ديوان المعارف إلى "مجمع اللغة العربية بدمشق".

أصبح هذا المجمع أول مجمع لغوي عربي في العصر الحديث، وتولى محمد كرد علي رئاسته منذ تأسيسه وحتى وفاته، ليضع بذلك اللبنة الأولى للمجامع اللغوية التي انتشرت لاحقاً في بقية الدول العربية.

إسهاماته في الدولة والتربية

لم يكن محمد كرد علي مجرد أديب، بل كان رجل دولة بامتياز، فقد اختير ليكون أول وزير للمعارف (التربية والتعليم حالياً) في سوريا. وخلال مسيرته، عاصر تحولات سياسية كبرى شهدتها البلاد، وظل متمسكاً بدوره في الدفاع عن الهوية العربية واللغة والثقافة.

 

إرث علمي خالد

ترك محمد كرد علي للمكتبة العربية مجموعة قيمة جداً من المؤلفات والكتب التي لا تزال تُعد مراجع هامة للباحثين والقراء، ومن أبرزها:

خطط الشام: وهو من أهم كتبه التي تؤرخ للمنطقة.

الإسلام والحضارة العربية: كتاب يتناول دور الإسلام في بناء الحضارة.

غرائب الغرب: الذي سجل فيه مشاهداته وانطباعاته عن رحلته إلى أوروبا.

مذكراته: التي كتبها في أربعة أجزاء وتروي تفاصيل حياته والعصر الذي عاشه.

بالإضافة إلى تأليفه للكتب، قام بتحقيق العديد من كتب التراث العربي القديم، مما ساعد في الحفاظ على كنوز الأجداد ونشرها للأجيال الجديدة.

الوداع

بعد حياة مليئة بالعطاء والعمل الدؤوب في سبيل العلم واللغة، توفي محمد كرد علي في دمشق في الرابع من فبراير عام 1953م، عن عمر ناهز 77 عاماً. ودُفن في دمشق بجوار قبر الصحابي معاوية بن أبي سفيان، تاركاً وراءه مجمعاً لغوياً شامخاً وكتباً تشهد على علمه وفضله.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved