سمير العيطة : ضرورة تبني نهج جديد لإنقاذ ما تبقى من سوريا

20.03.2026 | 01:27

نقدم هنا تحليل لمسارات العمل السياسي والمعارض في سوريا منذ تأسيس الكيان السوري وحتى المرحلة الراهنة، بالاستناد إلى رؤية الدكتور سمير العيطة (الاقتصادي والسياسي السوري). يركز التقرير على جذور العطب في بنية المعارضة، وعلاقتها بالدولة والسلطة، والتحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي شكلت المشهد السوري الحالي.

 

الجذور التاريخية وإشكالية النخبوية (1920 - الاستقلال)

تأسس المشروع السياسي السوري في بداياته كمشروع نهضوي رائد، إلا أنه واجه تحديات بنيوية وخارجية منذ اللحظة الأولى:

المؤتمر السوري العام (1920): مثّل محاولة جادة لبناء دولة ديمقراطية ودستورية (مملكة دستورية). ورغم أن المشاركين كانوا من نخب المدن والأعيان والمثقفين، إلا أنهم نجحوا في إنتاج دستور متطور حدد صلاحيات الملك وجعل السلطة مستمدة من الانتخابات، قبل أن يتم تقويض هذا المشروع بالاحتلال الفرنسي.

ديناميكية النخب والشارع: خلال فترة الانتداب، نجحت النخب السياسية (مثل الكتلة الوطنية) في حشد الجماهير والطبقات الفقيرة للضغط على الاستعمار، رغم خلفياتهم الطبقية. وقد تجلى ذلك في القدرة على توحيد المكونات السورية (صالح العلي، سلطان باشا الأطرش، سعد الله الجابري) ضمن مشروع وطني واحد استهدف استلام مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقلال المالي والسياسي.

صعود الحركات الاجتماعية: أدى تحسن الوعي والأوضاع الاجتماعية للطبقات الفقيرة إلى ولادة حركات سياسية جديدة (البعث، الإخوان، القوميين السوريين، عصبة العمل القومي) التي بدأت تنافس النخب التقليدية وتعبر عن مصالح أوسع.

الانقلابات العسكرية وتسييس الجيش

شكلت مرحلة ما بعد الاستقلال نقطة تحول سلبية في مسار الدولة السورية نتيجة تداخل العمل العسكري بالسياسي:

إقحام الجيش في السياسة: يُعزى هذا الخلل إلى سياسيين مثل أكرم الحوراني، الذي دفع ضباطاً للقيام بانقلابات عسكرية طمعاً في أدوار سياسية مميزة، مما أفقد الجيش حياديته تجاه الطوائف والاتجاهات السياسية.

مفارقة البناء المؤسساتي: رغم الانقلابات والديكتاتوريات (مثل عهد الشيشكلي)، شهدت سوريا بناءً مؤسساتياً متيناً؛ حيث أُسس البنك المركزي السوري وصيغ دستور عام 1951، الذي يُعد من أجود الدساتير السورية لنضجه في معالجة قضايا حساسة مثل دور الإسلام في الدولة.

تأثير الحرب الباردة: عانت التجربة الديمقراطية (1953-1958) من تدخلات أجنبية حادة وصراعات بين "رجالات الإنجليز" و"رجالات الأمريكان"، مما دفع ببعض الضباط للهروب نحو الوحدة مع مصر عام 1958 خوفاً من التهديدات الإقليمية، وهو ما أنهى الحياة البرلمانية السورية.

 

عهد الأسدين ومعضلة "المعارضة" والمواطنة

اتسمت هذه المرحلة بتبدل عميق في مفهوم الحراك السياسي وتحوله إلى صراعات دموية وأزمات هوية:

صراعات الثمانينيات: يرى العيطة أن أحداث حماة وحلب لم تكن مجرد فعل معارض، بل تأثرت بصراعات إقليمية (صدام حسين ضد حافظ الأسد)؛ حيث استُخدم تنظيم "الإخوان المسلمون" كأداة في هذا الصراع، مما حول القضية من مطالبة بالحريات إلى جرح طائفي غائر أضر بمفهوم المواطنة الشاملة.

الغياب عن الواقع الاقتصادي: في عهد بشار الأسد، وخلال فترة "ربيع دمشق"، انشغلت المعارضة بالشعارات السياسية الجيوسياسية (إيران، أمريكا، لبنان) وانعزلت عن التحولات الاقتصادية الجذرية؛ حيث تم تحرير الاقتصاد لصالح شبكات عائلية ضيقة (مثل رامي مخلوف) دون أن تقدم المعارضة رؤية تدافع عن مصالح الناس المعيشية.

أزمة الفهم السياسي: اتجه جزء من المعارضين نحو "مناهضة الدولة" بدلاً من "مناهضة السلطة"، مما خلق فجوة بين الحراك السياسي ومؤسسات الدولة التي تخدم المجتمع.

 

أزمة المعارضة بعد عام 2011

شهدت مرحلة ما بعد 2011 تفتتاً سياسياً وتبعية للخارج أدت إلى إطالة أمد الأزمة:

ارتهان القرار للخارج: تسببت التدخلات الخارجية (قطر، تركيا، فرنسا، دول خليجية) في تمزيق وحدة المعارضة. فقد تم اللعب على انقسامات المعارضة (داخل وخارج، كرد وعرب) لضمان عدم الوصول إلى حل سياسي يحافظ على الدولة.

اقتصاد الحرب والفساد المالي: تحولت الفصائل المعارضة (التي تجاوزت 1000 فصيل) إلى منظومات مصالح مرتبطة باقتصاد الحرب (معابر، إتاوات، تهريب)، مما جعل استمرار الحرب مصلحة لبعض هذه القوى. كما يُطرح تساؤل جوهري حول مصير المليارات التي صُرفت دون شفافية مالية أو محاسبة من قِبل الأجسام السياسية كائتلاف أو حكومة إنقاذ.

وهم إسقاط الدولة: تبنت المعارضة خطاب "إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه"، وهو ما يعني عملياً حل الدولة ومؤسساتها، وهو طرح يفتقر للعقلانية السياسية التي تقتضي التمييز بين السلطة (كجهة تدير) والدولة (كمجموعة مؤسسات تخدم المجتمع).

 

الرؤية المستقبلية والبديل الحقيقي

يخلص التحليل إلى ضرورة تبني نهج جديد لإنقاذ ما تبقى من سوريا:

نموذج "الكتلة الوطنية" الجديدة: سوريا لا تحتاج إلى أحزاب تقليدية متصارعة على الزعامة، بل إلى تجمع لشخصيات وطنية صادقة تتفق على هدف واحد وهو حماية المجتمع والدولة، وتعمل بجهد جماعي دون البحث عن مناصب.

أولوية المجتمع على السلطة: يجب أن يكون الهم الأساسي هو الدفاع عن مجتمع يعيش 80% منه تحت خط الفقر. العمل السياسي الحقيقي هو الذي يسعى لتأمين معيشة الناس وحقوقهم (الكهرباء، الغذاء، الكرامة) بعيداً عن الصراعات الجيوسياسية.

المحاسبة والعدالة الانتقالية: لا يمكن بناء مستقبل دون "عدالة انتقالية" تحاسب الجميع مالياً وجرمياً، بما في ذلك القوى التي تصدرت المشهد المعارض وتصرفت بموارد السوريين دون رقابة.

الحفاظ على الدولة: البديل الحقيقي يجب أن يرتكز على تقوية المجتمع ليكون قادراً على فرض إرادته، مع الحفاظ الصارم على مؤسسات الدولة لمنع انهيارها الكلي، وهو المسار الوحيد لضمان تداول سلمي للسلطة في المستقبل.

خلاصة: إن أزمة المعارضة السورية تكمن في ابتعادها عن هموم الناس، وارتهانها للأجندات الخارجية، وفشلها في التمييز بين صراعها مع السلطة وواجبها تجاه حماية كيان الدولة والمجتمع.

سيريانيوز



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved