الفساد والخوف: ركيزتا السلطة في سوريا ما بعد الأسد

18.05.2026 | 11:38

يقدم هذا التقرير تلخيصاً وتحليلاً معمقاً للطروحات التي قدمها رئيس التحرير نضال معلوف، مستنداً إلى شهادات حية ومعطيات دولية تفحص واقع الإدارة الحالية في سوريا، والتي يصفها بأنها تقوم على ركيزتين أساسيتين: الفساد المستشري، وسياسة الترهيب والخوف. يتناول التحليل قدرة فريق "الشرع" على إدارة الدولة في ظل الظروف الراهنة، ويكشف كواليس ما يدور داخل "الصندوق الأسود" لهذه السلطة.

أولاً: الكفاءة الغائبة وبنية الفساد المؤسسي

يشير نضال معلوف إلى أن السلطة الحالية، التي تحاول تسويق نفسها كإدارة دولة، تفتقر إلى الكفاءات المهنية وتعتمد بدلاً من ذلك على المحسوبيات وعقلية "الغنائم". ومن خلال شهادة السيد محمد دبش، الخبير في العمل مع المنظمات الدولية والأممية لأكثر من عقدين، تتضح الحقائق التالية:

  • غياب الشفافية: تُدار الدولة كصندوق أسود يغيب عنه أي مفهوم للشفافية المالية أو الإدارية. التقارير الدولية تشير إلى غياب تام لتقارير الصرفيات أو الميزانيات الشفافة، خاصة في التعامل مع البنك الدولي.
  • عقلية "الغنيمة" في الأزمات: كشفت شهادة دبش عن ممارسات السلطة خلال زلزال عام 2023؛ حيث تم ابتزاز المنظمات الدولية واشتراط توظيف "موظفين وهميين" (بواقع 5 موظفين لكل منظمة برواتب تصل إلى 500 دولار لكل منهم) للسماح بمرور المساعدات، مما درّ مبالغ تصل إلى ربع مليون دولار شهرياً لصالح السلطة.
  • إجهاض الاستثمارات: أورد التقرير أمثلة على ضياع فرص استثمارية كبرى بسبب قلة الخبرة والفساد، منها مشروع محطة كهرباء بقيمة 100 مليون يورو في حلب، تعطل بسبب مطالبة "شيخ" يتبع للسلطة بوضع المبلغ نقداً في حساب "شام كاش".

ثانياً: ملف المساعدات الدولية والتصنيف الجهادي

تؤكد المعطيات أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى السلطة الحالية بريبة شديدة، مما يعيق تدفق الدعم المالي لإعادة الإعمار:

  1. غياب الثقة المالية: رغم الدعم السياسي "الشكلي" أحياناً، لم تحصل الحكومة السورية الحالية على "سنت واحد" من المانحين الدوليين بشكل مباشر. والسبب يعود إلى تصنيفها كحكومة "طيف واحد" ذات خلفية جهادية، مما يجعل المانحين يخشون استخدام الأموال في أعمال مؤدلجة.
  2. الأموال المجمدة: يشير نضال معلوف إلى وجود نحو 700 مليون يورو كمشاريع جاهزة لدى الاتحاد الأوروبي، لكنها معلقة لغياب جهة تنفيذية موثوقة وشريكة بعيدة عن الهيمنة الفصائلية.
  3. الفشل في الانتقال السياسي: العالم ينتظر من السلطة خطوات حقيقية نحو التحول الديمقراطي والمشاركة السياسية، وهو ما لم يحدث، مما أبقى العقوبات الدولية قائمة على معظم القيادات.

ثالثاً: إعادة إنتاج "دولة الخوف" وملفات الاختفاء القسري

في محور خطير، يكشف نضال معلوف عن عودة ممارسات الأجهزة الأمنية القمعية التي تشابه، بل وتتفوق في فجاجتها على أساليب نظام الأسد السابق. ويبرز هنا "الملف 202" التابع للأمن السياسي في ريف دمشق:

  • الملف 202: يوثق التقرير اختفاء نحو 300 شاب من دمشق وريفها قسرياً. هؤلاء الشباب، الذين كان بعضهم معتقلاً سابقاً في صيدنايا وخرجوا بعفو، تم إعادة اعتقالهم وتغييبهم تماماً عن أهاليهم منذ منتصف رمضان الماضي.
  • سجن حسياء: تشير المعلومات إلى افتتاح سجن ضخم في منطقة "حسياء" يضاهي سجن صيدنايا في سعته وقسوته، ليصبح مركزاً جديداً للتغييب القسري.
  • قمع الشخصيات العامة: لم يسلم من هذه السياسة الشخصيات المعروفة، مثل السيدة خولة برغوث، والصحفي مازن عرجا، ونديم عباس، وفاتح جاموس، الذين تعرضوا للاعتقال أو الملاحقة دون تهم قانونية واضحة أو تمكينهم من حقوق الدفاع.
  • التهم السياسية الجاهزة: يتم استخدام تهمة "الفلول" أو "التعامل مع النظام السابق" كذريعة للاعتقال، وهي تهم فضفاضة تفتقر لأي مستند جنائي، وتهدف أساساً لترهيب المجتمع وضمان الولاء المطلق.

رابعاً: الوجوه الجديدة والتقارير الدولية

يسلط نضال معلوف الضوء على التناقض الصارخ في تعيينات السلطة؛ حيث تحول "جلادو الغوطة" وقيادات أمنية سابقة إلى واجهات دبلوماسية وبروتوكولية:

  • الدبلوماسية المسلحة: ذكر التقرير أسماء مثل "أبو حمزه بروتوكول" (قتيبة قاديش) و"أبو عائشة سفارات" (أسعد الشيباني)، كأمثلة على تحول عناصر مسلحة لا تمتلك خبرة مدنية إلى مديري إدارات دولية ودبلوماسيين.
  • تقرير الحريات الدينيه الأمريكي: أشار معلوف إلى تقرير لجنة الحريات الدينية التابعة للكونغرس الأمريكي، الذي صنف سوريا كدولة "مثيرة للقلق" وفاشلة في حماية الحريات وسيادة القانون. وأكد التقرير الأمريكي أن "هيئة تحرير الشام" هي المسيطر الفعلي على القرار، وأن المحاسبة على الانتهاكات والمجازر لا تزال شكلية ولم تصل للقيادات العليا.

 

خامساً: الرؤية الاستراتيجية والمستقبل

يخلص رئيس التحرير نضال معلوف إلى أن الاستمرار في هذا النهج سيقود سوريا نحو "التفتت والانهيار" الحتمي. ويحدد النقاط التالية كخلاصة للواقع الراهن:

المحور

الواقع الراهن

النتيجة المتوقعة

الإدارة الممالية

فساد بنيوي وعقلية غنائم واحتكار للمناقصات.

استمرار العجز الاقتصادي وغياب الاستثمارات الحقيقية.

الوضع الأمني

تغييب قسري، سجون سرية، وترهيب للمدنيين.

فقدان الشرعية الداخلية وتزايد الاحتقان الشعبي.

الاعتراف الدولي

تعامل مع "سلطة أمر واقع" مع وقف الدعم المالي.

بقاء سوريا معزولة مالياً ومكانك راوح سياسياً.

الهيكلية السياسية

سلطة من لون واحد تهيمن عليها خلفيات عسكرية.

فشل بناء "دولة المواطنة" وتعريض البلاد لمزيد من الانقسام.

الخلاصة: يؤكد نضال معلوف أن سوريا اليوم تشهد بناء "نموذج ممسوخ" عن نظام الأسد، حيث يتم استنساخ أدوات القمع والفساد دون القدرة على بناء مؤسسات دولة حقيقية. الحل، حسب الرؤية المطروحة، يكمن في إقرار هذه السلطة بأنها "انتقالية" والبدء الفوري في توسيع المشاركة الوطنية وتطبيق سيادة القانون والشفافية، وإلا فإن الانهيار سيكون هو المصير المحتوم، وسط تواطؤ أو صمت من شرائح واسعة تجاه هذه الممارسات الإجرامية بحق السوريين.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved