ابن اخر رئيس منختب لسوريا : نحن بحاجة لاستثمار وليس لقمار ؟

20.03.2026 | 23:26

تمثل تجربة فيصل ناظم القدسي تقاطعاً بنيوياً فريداً بين إرث "دولة القانون" التي ميزت سوريا في منتصف القرن العشرين، وبين الخبرة التقنية العميقة في الأسواق المالية العالمية (لندن والشرق الأوسط). بصفته استشارياً في إعادة هيكلة المؤسسات المالية وابناً لآخر رئيس سوري منتخب ديمقراطياً، يطرح القدسي في لقاء مع التلفزيون الالماني DW رؤية تتجاوز الإصلاحات السطحية نحو "معالجة هيكلية" (Structural Remediation) شاملة، معتبراً أن استعادة المصداقية المؤسسية هي الممر الإلزامي الوحيد لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI).

1. الإطار التاريخي والشرعية الدستورية: من سيادة القانون إلى الاقتصاد الريعي الأمني

تشكل الخلفية القانونية للدكتور ناظم القدسي (ثاني سوري يحصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جنيف وموقع ميثاق الأمم المتحدة) حجر الزاوية في مفهوم "الدولة المدنية" التي يطرحها فيصل كبديل حتمي. إن التحول التاريخي عام 1963 لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان تحولاً نسقياً من نموذج "دولة القانون" إلى "النموذج الريعي الأمني"، مما أدى إلى تآكل الجدارة الائتمانية للدولة السورية.

مقارنة التحول الهيكلي في منهجية الحكم:

معايير الحكم في عهد القدسي (الشرعية القانونية)

ممارسات النظام اللاحق (القبضة الأمنية)

دولة القانون: الالتزام بالمنطق الدستوري والشرعية الدولية (توقيع ميثاق الأمم المتحدة).

الدولة الأمنية: الاعتماد على "الرصاص والسيطرة" كأداة وحيدة لإدارة المجتمع.

نزاهة اليد واللسان: العمل السياسي كخدمة وطنية تلتزم بالشفافية المطلقة.

الفساد المؤسسي: تحويل الوظيفة العامة إلى آلية للرشوة والكذب الممنهج.

التكامل الإقليمي: رؤية للاتحاد العربي الفيدرالي والعمق الاستراتيجي.

العزلة الدولية: تحويل سوريا إلى "دولة منبوذة" (Pariah State) تفتقر للشرعية.

أخلاقيات العمل: النظر إلى الإنتاجية السورية كواجب مدني وديني (العمل كعبادة).

التبعية السياسية: تحويل الكتل البشرية إلى أدوات نفعية مرتبطة بالولاء الأمني.

 

 

2. تشخيص الواقع الاقتصادي: "رأسمالية المحاسيب" وعوائق السوق

يكمن الفشل الجوهري في تجارب "الانفتاح" السورية السابقة في كونها لم تكن انفتاحاً شاملاً، بل "رأسمالية محاسيبية" (Crony   Capitalism). لقد استندت هذه العقلية إلى عقيدة أمنية مفادها أن "الانفتاح الاقتصادي يجلب انفتاحاً سياسياً يهدد بقاء السلطة".

تفكيك عوائق الاستثمار:

الاقتصاد الموازي: خلق فئات احتكارية (مثل رامي مخلوف) "توحشت" في استغلال مقدرات الوطن، مما خلق اقتصاداً موازياً جعل من دخول المستثمرين المستقلين أو المغتربين أمراً مستحيلاً.

التفتت التشريعي (Regulatory Capture): تعمد وضع قوانين متضاربة و"مطفشة" لاستخدامها كأدوات للمساومة والابتزاز البيروقراطي.

الوظيفة العامة كأداة إفساد: تحويل الجهاز الإداري إلى منظومة تعيش على الرشوة، مما أفرغ أي مبادرة اقتصادية من محتواها الإنتاجي.

 

3. خارطة الطريق نحو "سوريا الجديدة": البناء من تحت الصفر

يرفض القدسي مصطلح "إعادة الإعمار" (Reconstruction) لكونه يوحي بأن الأساسات لا تزال صالحة.

الواقع السوري يتطلب "معالجة هيكلية" (Structural Remediation) لأن القواعد الأخلاقية والقانونية والمهنية قد تعرضت لفساد بنيوي شامل.

تسلسل الاستقرار الاقتصادي (The Stability Sequence): يرى القدسي أن المرحلة الانتقالية (5-10 سنوات) يجب أن تتبع تسلسلاً دقيقاً:

تحفيز القطاع الخاص لخلق الوظائف: مع نسبة بطالة تصل إلى 35%، لا يمكن البدء بإصلاح الأسعار.

تأجيل رفع الدعم عن الخدمات: يمنع رفع أسعار الكهرباء أو الخدمات الأساسية قبل ضمان وجود دخل حقيقي للمواطن.

التوازن بين التحرير والحماية: الانتقال للاقتصاد الحر يجب أن يكون تدريجياً وبمواكبة جهاز حكومي كفؤ.

التحليل الاستراتيجي (ماذا يعني ذلك؟): في ظل "البناء من الصفر"، تصبح "السمعة" هي الضمانة الوحيدة (Collateral) المتاحة. في غياب نظام مصرفي موثوق في البداية، فإن "رأس المال الرمزي" لأسماء مثل عائلة القدسي وتاريخها في النزاهة هو ما سيفتح أبواب التمويل الدولي قبل اكتمال بناء المؤسسات.

 

4. الثورة المؤسسية: إصلاح "اليد اليمنى" للدولة

يستخدم القدسي استعارة بليغة: الجهاز الحكومي هو "اليد اليمنى" للدولة، بينما الرؤية السياسية هي "اليد اليسرى". إذا كانت اليد اليمنى مشلولة أو فاسدة، فلن تستطيع اليد اليسرى تنفيذ أي قانون أو خطة نهوض.

إجراءات تطهير الجهاز الإداري:

إعادة تاهيل القوى العاملة: مواجهة حقيقة أن الدولة توظف 63% من القوى العاملة بإنتاجية تقترب من الصفر بسبب منظومة الرشوة.

تفكيك "الغابة القضائية": إلغاء القوانين المتضاربة التي تسمح للقضاة بالاستنسابية وتدمير حقوق الملكية.

نموذج "خدمة العميل": التحول من "الدولة الأمنية" إلى "الدولة الخادمة".

 

5. الروافد الاستراتيجية: العمق العربي والميزات التنافسية

تمتلك سوريا ميزات سيادية مهملة يمكنها تمويل النهوض الوطني إذا ما أديرت بعقلية استثمارية لا مقامرة.

السياحة التراثية: استغلال الإرث المسيحي السوري الذي يفوق في عمقه وتنوعه ما هو موجود في فلسطين، لجذب "سياح النخبة" من العالم أجمع.

النموذج السعودي والعمق العربي: الاستثمار في العلاقة التاريخية (مثل علاقة القدسي الأب والملك فيصل) لجذب الاستثمارات الخليجية الضخمة التي تبحث عن فرص حقيقية بعيداً عن "المحسوبيات".

الدروس المصرفية: تطبيق تجربة "ليبانون انفست" و"جلف انفست" في زيادة رسملة البنوك السورية كشرط أساسي لتمويل المشاريع الكبرى.

 

6. الخلاصة: الدولة المدنية كضمانة للاستثمار لا للمقامرة

تتلخص فلسفة فيصل القدسي في أن الازدهار الاقتصادي هو "ثمرة" للديمقراطية المدنية وليس بديلاً عنها. إن الحقوق والواجبات ليست "منحة" من سلطة، بل هي استحقاق مواطنة متساوٍ للجميع.

 

البيان الختامي للرؤية المستقبلية:

التحول من "إطفاء الحرائق" إلى التخطيط الاستراتيجي: ضرورة تبني رؤى عابرة للأشخاص تمتد لـ 20 عاماً.

مأسسة الفكر: اعتماد "بنوك الأفكار" (Think Tanks) مثل "المنتدى الاستراتيجي السوري" كضمانة مؤسسية تحاكي نموذج "تشاتام هاوس"، لحماية السياسات من الأمزجة الفردية.

مبدأ "نستثمر ولا نقامر": بناء دولة المؤسسات التي تحترم القانون وتنمي رأس المال البشري، مع التأكيد على أن سوريا "تحت الصفر" حالياً تحتاج إلى بناء "إنسان جديد" يؤمن بالعمل كقيمة عليا.

إن نجاح سوريا القادمة مرهون بقدرتها على التحول من "دولة الشعارات" إلى "دولة المؤسسات الخادمة"، حيث تصبح الكرامة الإنسانية هي المعيار الاقتصادي الأول للنجاح.

 

سيريانيوز

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved