يواجه الواقع السوري الراهن مرحلة شديدة الاضطراب، تتسم بتشابك التعقيدات الإقليمية والدولية مع أزمة داخلية عميقة. ويشير تحليل المشهد إلى وجود مؤشرات مقلقة تتجاوز التوترات العسكرية المباشرة لتصل إلى حالة من السخط الشعبي المتزايد، ناتجة عن فشل الأداء الحكومي على كافة المستويات، وتآكل قدرة السلطة على تلبية الاحتياجات الأساسية، مما يضع المجتمع أمام تحديات وجودية تتعلق بالهوية والذاكرة الوطنية.
أولاً: تشخيص الواقع الراهن ومظاهر التآكل السلطوي
يمر النظام العام في سوريا بحالة من التفكك تظهر جلياً في عجز الإدارة عن ضبط الأمور الميدانية والمعيشية، ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه المرحلة في النقاط التالية:
انعدام الأمن الغذائي الحاد: وصلت الحالة المعيشية إلى مرحلة تسبق المجاعة مباشرة، في ظل غياب المؤسسات المختصة (دولية أو محلية) القادرة على قياس المؤشرات بدقة للتعامل مع الأزمة.
فشل الإدارة ورفض المشاركة: يكمن جوهر الأزمة في عدم كفاءة الإدارة الحالية ورفضها المطلق للمشاركة مع المكونات السورية الأخرى في تحمل أعباء المرحلة الانتقالية، بل ورفض الاعتراف بوجود مرحلة انتقالية من الأساس.
تفكك النظام العام: رُصدت حالات عصيان وتوتر ميداني، مثل الاحتجاجات في شمال شرق سوريا ضد قرارات التعيين، وعجز الأمن عن ضبط النزاعات المرتبطة بدخول الشاحنات الأردنية ومواجهتها من قبل السائقين السوريين.
انهيار السردية الإعلامية: تراجعت قدرة السلطة على ترويج روايتها، وأصبح خطابها السوشيالي والإعلامي متوتراً وعدائياً تجاه مطالبات المجتمع، مما أدى إلى تأزيم العلاقة مع الحاضنة الشعبية.
ثانياً: خطاب السلطة واستراتيجية طمس الهوية
برز في الآونة الأخيرة خطاب استعلائي من قبل بعض الشخصيات المقربة من السلطة، يهدف إلى تطويع المجتمع السوري وتقزيم هويته التاريخية:
خطاب الاستعلاء ("الطمو بترتاحو"): انتشرت تصريحات إعلامية تطالب السوريين بالقبول بواقع "الـ 30 دولاراً" كراتب لسنوات قادمة، مع استخدام لغة إقصائية مثل "اللي ما عجبه يصرخ"، وهو ما يعكس انفصال السلطة عن معاناة الشعب.
محاولات مسح الهوية السورية: تُبذل جهود حثيثة لطمس الذاكرة الجمعية، والادعاء بأن سوريا لم تكن تمتلك هوية أو مؤسسات قبل حقب زمنية محددة. ويظهر ذلك في محاولات "أحمد الشرع" (الجولاني) والترويج لما يسمى "الجمهورية السورية الأولى" بخلفيات غير أكاديمية، وتصوير السوريين وكأنهم كانوا "دواباً" قبل مشروعه الحالي.
تزييف الذاكرة الوطنية: هناك محاولة لتصوير المقاومة ضد الانتداب الفرنسي كحراك للأقليات فقط، وتغييب دور المكون السني (الغالبية العظمى) الذي قاد العمل الوطني والسياسي وأسس صياغة الهوية الوطنية، مثل شكري القوتلي، هاشم الأتاسي، وسعد الله الجابري.
ثالثاً: استعادة الذات السورية والذاكرة التاريخية
يُطرح كبديل لهذا الواقع ضرورة العودة إلى "استعادة الذات السورية" من خلال الإجابة على سؤال الهوية والانتماء. وتستند هذه الرؤية إلى الحقائق التاريخية التالية:
عراقة التجربة الديمقراطية: كانت سوريا سباقة في المنطقة، حيث شكلت أول برلمان (المؤتمر السوري) في عام 1919، وأنتجت دستور عام 1920 الذي يعد من أكثر الدساتير تقدماً وتطوراً.
تلاحم المكونات: أثبت التاريخ أن الهوية السورية تشكلت من خلال تلاحم كافة المكونات لإفشال مشاريع التقسيم إلى خمس دويلات، وهو ما يحاول الخطاب الطائفي الراهن طمسه.
مواجهة الاستبداد التاريخي: تعرضت الهوية السورية للتآكل نتيجة عقود من الاستبداد المتراكم والانقلابات العسكرية وحكم البعث، مما دفع الأفراد للانكفاء نحو الهويات الضيقة (الطائفة، العشيرة، المنطقة) بحثاً عن الحماية في ظل غياب العدالة والدولة.
رابعاً: البدائل الوطنية والتحركات السياسية المقترحة
تظهر في الأفق قوى وطنية تحاول طرح خارطة طريق للخروج من الأزمة، بعيداً عن الواقع الفصائلي الإقصائي، ومن أبرز هذه المبادرات:
1. رؤية معاذ الخطيب ("خارطة طريق فكرية")
تعتمد هذه الرؤية على "مثلث إعادة الدولة":
إعادة تعريف الهوية الوطنية: بناء هوية جامعة لا تلغي التنوع بل تنظمه ضمن إطار العدالة.
قانون شفاف وعادل: إنهاء الغموض المؤسساتي، وفصل السلطات، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
اقتصاد وطني حقيقي: التركيز على الصناعة ورفض الاقتصاد السلعي الذي يخدم جهات خارجية، مع اعتبار رأس المال الوطني هو الضمان الأساسي للاستقرار.
تفكيك "العلوية السياسية": الفصل بين المنظومة الأمنية الحاكمة وبين المكون الاجتماعي الذي تم ارتهانه واستخدامه كدروع بشرية.
إعادة ربط جبل العرب (السويداء): الاعتراف بالأخطاء الأمنية والسياسية تجاه الحراك الوطني في السويداء، والقيام بمبادرات اجتماعية ودينية لرد الاعتبار المعنوي وربط المنطقة بعمقها السوري.
2. منتدى "مسار" (السوري للإصلاح والتغيير)
بقيادة السيد وليد البني، يطرح هذا التجمع السياسي رؤية تهدف إلى:
تأسيس هيئة حكم انتقالية وفق القرارات الدولية.
صياغة دستور حيادي يقوم على المواطنة.
تحقيق سيادة مطلقة تمتلك قرارها المستقل بعيداً عن التدخلات الإقليمية.
الزهد في السلطة: أكد المنتدى أنه سيحل نفسه بمجرد تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، حيث أن هدفه وضع سوريا على السكة الصحيحة وليس البحث عن مناصب.
خامساً: المعايير الأساسية للعقد الاجتماعي الجديد
لضمان نجاح أي بديل وطني، يجب استبدال "فقه الفصائل" بـ "عقلية الدولة" وفق الجدول المقارن التالي:
|
وجه المقارنة |
الخطاب الفصائلي الإقصائي |
عقلية العقد الاجتماعي (الدولة) |
|
الرؤية |
احتكار الحقيقة ومصادرة آراء الآخرين |
احترام الخصوصيات الثقافيه والدينية |
|
التعامل مع الاختلاف |
التكفير، الإلغاء، والتحريض الطائفي |
حماية النسيج الوطني ورفض التحريض |
|
المنهجية |
استدعاء فتاوي تاريخية وتعميمها |
المرونة وفهم الواقع المعاصر |
|
الهدف |
السيطرة على الغنائم والكرسي |
تحقيق العدالة والمشتركات الوطنية |
الخلاصة: إن مخرج سوريا الوحيد من حالة التفكك والانهيار يكمن في اصطفاف وطني شامل يرفض التبعية الخارجية، ويستند إلى هوية وطنية صحية لا تتعارض مع الخصوصيات، بل تحميها تحت مظلة "دولة القانون" والشفافية والمحاسبة العادلة. الأمل معقود على هذه القوى الوطنية التي بدأت تبرز كبديل عقلاني يسعى لاستعادة السيادة من الداخل وبناء اقتصاد يخدم جميع السوريين دون إقصاء.
حلقة نضال معلوف في البث المباشر
يوم الجمعة 13 اذار 2026