الإدارة الانتقالية في سوريا ومؤشرات الانهيار الهيكلي
02.10.2026 | 12:56
يقدم هذا التسجيل تحليلاً شاملاً للمشهد السوري الراهن في ظل الإدارة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)،. يخلص التقرير إلى أن الفترات الممتدة عقب سقوط بشار الأسد لا تمثل مرحلة لبناء "الدولة الوليدة"، الفصل الأخير من مأساة حكم آل الأسد وتداعياته.
ويستند التحليل إلى تحليلات رئيس التحرير مع تقارير صادرة عن مراكز أبحاث ووسائل إعلام دولية وازنة (مثل Foreign Affairs، وCNN، وDeutsche Welle)، مؤكداً أن الاستمرار في النموذج الحاكم الحالي يدفع البلاد نحو انهيار اقتصادي وأمني وشيك، وأن التعافي الوطني يتطلب إنهاء سلطة هيئة تحرير الشام والانتقال الفوري إلى هيئة حكم انتقالية تشاركية تخضع للمقاييس الدولية.
1. "الفصل الأخير" من مأساة الأسد
امتداد الحقبة المأساوية:يرى نضال معلوف أن سقوط بشار الأسد لم يكن نهاية المطاف، بل إن الإدارة الانتقالية الحالية برئاسة الشرع ليست سوى الذيل المتبقي والفصل النهائي من الكارثة التي عاشتها سوريا خلال حكم الأسد.
وهم النصر والاستعلاء:الشارع السوري دفع ثروات ودماء باهظة من كافة أطيافه. والتعامل بلغة المنتصر والاستعلاء الفصائلي يُعيد إنتاج سلوكيات النظام السابق ذاتها، مما يعيق بناء دولة القانون والعدالة الانتقالية التي يُحاسب فيها المجرم ويُوضع فيها صاحب الكفاءة في مكانه الطبيعي.
2. تحذيرات مراكز الأبحاث والإعلام الدولي
أشار معلوف إلى أن التحذيرات التي طالما طرحها طوال الأشهر الماضية أصبحت اليوم محل إجماع لدى كبرى وسائل الإعلام ومراكز الفكر الغربية:
تقرير شبكة (CNN):أكد أن سوريا تواجه بعد الأسد "أكبر اختبار ضغط لها حتى الآن" مع استمرار الاحتجاجات الاقتصادية المتكررة.
إبراهيم العسيل (جامعة هارفارد):يرى أنه من شبه المستحيل التغلب على التحديات الاقتصادية الشديدة الحالية، مشيراً إلى أن الضغط الاقتصادي يوسع الفجوة بين توقعات الشارع وواقع الحكومة، وأوضح أن "شراء الصبر من الناس يتطلب السماح لهم بالمشاركة وجعلهم يشعرون بأن أصواتهم مسموعه".
تشارلز ليستر (معهد الشرق الأوسط في واشنطن):أكد أن "فترة شهر العسل كانت دائماً على وشك أن تنتهي"، مشيراً إلى أن راس المال السياسي الثوري ينفذ والشرعية الثورية تتلاشى مع تصاعد المظالم الاقتصادي.
مجلة (Foreign Affairs):وصفت المرحلة الانتقالية بـ "المتعثرة"، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لم تعقد مؤتمر مالي للمانحين كما فعلت في العراق، وأن الاستثمارات الأجنبية معدومة بسبب غياب الحل السياسي، واستمرار الفلتان الأمني، وغياب الأطر القانونية والنظام المالي الفعال.
مقارنة بين الأرقام المعلنة والواقع الاقتصادي (وفق مجلة Foreign Affairs)
شخص نضال معلوف مكامن الخلل في إدارة الشرع عبر النقاط التالية:
الافتقار للخبرة واحتكار السلطة:تعتمد حكومة الشرع على عدد قليل من قدامى المحاربين في "هيئة تحرير الشام" كمستشارين رئيسيين وصانعي سياسات (مثل أبو قصرة وغيره)، بينما اقتصرت خبرتهم السابقة على إدارة جيب محلي محصور في ادلب بين عامي 2017 و2024.
تجريف مؤسسات الدولة:قامت السلطة الجديدة بتفكيك وزارة الاقتصاد والمؤسسات القديمة ومركزة السلطة في كيانات غامضة مرتبطة بالرئاسة، مثل "الصندوق السيادي" الذي أُنشئ لإدارة الأموال والأصول المستولى عليها من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق دون إفصاح أو شفافية.
الانفصال عن الواقع الخارجي والداخلي:تصريحات مسؤولي الإدارة (مثل الشرع والشيباني) تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع؛ حيث يعرضون تقديم المساعدة للعراق ولبنان لضبط السلاح وتوطيد المؤسسات، بينما تعجز إدارتهم عن حماية خطوط الطاقة أو رفع القمامة من الشوارع السورية.
صدمة التحرير الاقتصادي السريع:تحرير الاقتصاد وإلغاء الدعم عن المواد الأساسية (كالكهرباء والمشتقات النفطية والخبز) في مرحلة انتقالية هشّة أدى إلى تفاقم الفقر وموجات غلاء غير مطاقة، وسط غياب تام لشبكات الحماية الاجتماعية.
4. خلاف "الكاش والشوالات" مع الاتحاد الأوروبي
سلط معلوف الضوء على التوتر الذي ظهر خلال المؤتمر الصحفي بين الشيباني ومسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي:
عقلية الفصائل مقابل المؤسسات:اعتادت قيادة هيئة تحرير الشام خلال سنوات سيطرتها على إدلب على تلقي التمويل الاستخباري والخليجي "كاش في الشوالات" ودون خضوع لقواعد التدقيق.
المعيار الدولي:يرفض الاتحاد الأوروبي وواشنطن تقديم أموال مباشرة ("كاش") لأسماء أو فصائل، ويشترطون أطراً قانونية، ومسارات انتقال سياسي واضحة، وحماية الاقليات، وشفافية مالية قبل ضخ أي أموال لإعادة الإعمار.
الرد النزق:كشف المؤتمر الصحفي عن ضيق ذرع الإدارة الانتقالية بهذه الإجراءات الدولية المطولة، حيث تطالب بالموال فوراً لإعطاء الرواتب وتسيير الأمور وفق نموذج إدلب، وهو ما يرفضه المجتمع الدولي جملة وتفصيلاً.
5. المؤشرات الأمنية والتفكك الداخلي
استعرض التقرير أدلة ميدانية على التسارع في الانهيار الهيكلي للإدارة الانتقالية:
استهداف البنى التحتية:تفجير خطوط امداد الغاز، وانقطاع الكهرباء، واستهداف خطوط الطاقة بفعل فاعل، مما يثبت إما التواطؤ الداخلي أو الفشل الأمني الذريع في حماية المنشآت الحيوية.
الاغتيالات والفلتان الأمني:وقوع أحداث مأساوية وتفجيرات في مناطق مختلفة مثل جسر مصياف والتنف، والتصفية على الهوية.
الاحتقان الاجتماعي في الساحل:يعاني المكون العلوي من تسريحات جماعية في القطاع العام وحل الجيش والأمن، إلى جانب مخاوف السلامة والغلاء، مما خلق حالة من الغليان الاجتماعي و"الجمر تحت الرماد".
التفكك داخل الفصائل (الفرقة 40):تم حل وتفكيك ثلاث أفرع عسكرية لتشكيل فيلق جديد بسبب تمرد ضباط بعمر 30 و40 عاماً على تعيين قائد للفرقة 40 يبلغ من العمر 22 عاماً لمجرد انتمائه لـ "هيئة تحرير الشام"، مما يبرز تقديم الولاء الفصائلي على الكفاءة.
."
خارطة الطريق والمطالب المستقبلية
وفقاً لرؤية نضال معلوف ، فإن الاستمرار في المراهنة على إدارة الشرع هو إهدار للوقت وتعميق للمأساة السورية، وتتلخص معالم الحل في الآتي:
إنهاء مرحلة الشرع والجولاني فوراً:الاعتقاد بإمكانية إصلاح هذه البنية "العصابية المصمتة" هو وهم؛ ويجب إسقاط هذه العقبة لفسح المجال أمام القوى الوطنية.
تشكيل مجلس حكم انتقالي جماعي:التخلي عن فكرة الحكم الفردي، وتشكيل هيئة حكم انتقالية تشاركية تمثل مختلف القوى والكفاءات الوطنية والقطاعات السورية.
تقييد الفترة الانتقالية بسنتين كحد أقصى:رفض مقترح الشرع بتمديد المرحلة الانتقالية إلى 5 سنوات (والذي يهدف للاستحواذ على الأصول والموارد)، والإسراع في إنجاز الاستحقاقات للوصول إلى حكومة منتخبة ودستور دائرة.
تهيئة البيئة للمعايير الدولية:تبني معايير الشفافية المطلقة والقانون، والتعاون المباشر مع خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لبناء آليات استقبال المساعدات وقروض إعادة الإعمار (التي تتطلب بين 200 إلى 500 مليار دولار).
الإدارة الذاتية والتضامن المحلي:في ظل الشتاء القاسي المرتقب والنقص الحاد في الموارد، يُهيب رئيس التحرير بالربط الأسري والمجالس المحلية والمجتمعات تنظيم أنفسهم وإدارة الموارد المتاحة بتقشف وعقلانية، تحسباً لأيام أكثر صعوبة خلال الأشهر القادمة