الحكم في سوريا اليوم: إعادة إنتاج الاستبداد بـ "نكهة جديدة"

03.08.2026 | 12:22

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف تحليلاً عميقاً ومعمقاً للمشهد السياسي السوري الراهن، مركزاً على طبيعة الحكم التي تبلورت عقب سقوط نظام الأسد وتولي "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع زمام الأمور. يطرح معلوف رؤية نقدية مفادها أن سوريا لا تنتقل نحو "دولة جديدة" ديمقراطية، بل يتم اختطافها لصالح نموذج استبدادي جديد يستنسخ آليات النظام السابق ولكن بأيديولوجية مختلفة.

من الإدارة الانتقالية إلى السلطة التأسيسية الأحادية

يرى نضال معلوف أن الأزمة الجوهرية في سوريا اليوم تكمن في القفز فوق "المرحلة الانتقالية". فبينما كان من المفترض أن تكون الإدارة الحالية مؤقتة ومهمتها تمهيد الطريق لدولة لكل السوريين، تصر سلطة أحمد الشرع على التصرف كـ "سلطة تأسيسية أحادية".

الفوارق الجوهرية بين الإدارة الانتقالية والسلطة الحالية

يوضح التحليل الفجوة بين ما يجب أن تكون عليه الإدارة الانتقالية وبين ممارسات سلطة الشرع:

وجه المقارنة

الإدارة الانتقالية (النموذج الصحي)

سلطة الشرع الحالية (الواقع)

تعريف الذات

تعتبر نفسها مؤقتة وتعلن ذلك صراحة.

تعتبر نفسها دائمة وتؤسس لـ "سوريا الجديدة" وفق رؤيتها.

المشاركة السياسية

تسعى لتوسيع المشاركة لتشمل كافة القوى.

تستبعد الجميع وتعتمد على "الجماعة" وشبكتها.

استقلالية المؤسسات

تعمل على تحييد المؤسسات وفصلها عن السياسة.

تملأ المؤسسات بـ "رجال الثقة" والولاء التنظيمي.

هوية الدولة

تترك القضايا السيادية والدستورية للمجتمع.

تحدد الهوية والبصرية والدستور بشكل أحادي.

العلاقة مع التنظيم

تفصل تنظيم الجماعة أو الحزب عن مفاصل الدولة.

تنقل هيكلية التنظيم وشبكاته إلى صلب مؤسسات الدولة.

هندسة الاستبداد: الأسد والشرع "وجهان لعملة واحدة"

يشدد نضال معلوف على أن "هندسة الاستبداد قابلة للاستنساخ"، محذراً من أن ما يجري هو مجرد تبديل في الشعارات بينما يبقى منطق الحكم واحداً وهو "الاستيلاء على الدولة بدل الخضوع لها".

  • منطق "الولاء" مقابل "الكفاءة": كما كان الولاء لحزب البعث شرطاً للوصول، أصبح الولاء للجماعة والوساطة شرطاً للوصول إلى الموارد والمناصب.
  • عسكرة الوظائف: يلاحظ معلوف تحول قادة الفصائل إلى قادة فرق عسكرية بأسماء رسمية داخل "وزارة الدفاع" دون تغيير حقيقي في العقيدة أو الهيكلية، مما يعني بقاء النواة الأمنية والعسكرية بيد الجماعة.
  • الاستيلاء على الموارد: ينظر النظام الجديد للدولة كبوابة للربح والتكسب. يتم خصخصة كل شيء (الكهرباء، المياه، الحدائق، المشافي) لصالح استثمارات الجماعة، مما يرهق المواطن ويحول المسؤولية الاجتماعية للدولة إلى "استثمار" ربحي.

 

 

المشهد الأمني والجغرافي: سوريا الممزقة

يصف معلوف سوريا الحالية بأنها "دولة أخطبوطية" لكنها مفككة، حيث تعيش مناطق واسعة خارج الاستقرار الحقيقي:

  1. الجنوب السوري: يشهد توغلات إسرائيلية متكررة وعميقة، ويرى معلوف أن وجود سلطة غير شرعية أو "مصنفة" يوفر الذريعة لإسرائيل لاستباحة الأراضي السورية.
  2. السويداء ودرعا: مناطق تعيش حالة من السخط والاستياء، وتتعامل معها السلطة بـ "التأجيل أو الإخضاع" بدلاً من المشاركة الوطنية.
  3. شرق سوريا وشمالها: مناطق لا تزال على "كف عفريت" مع احتجاجات واضطرابات أمنية مستمرة.

الاقتصاد والخدمات: الانهيار تحت ستار "الليبرالية"

ينتقد معلوف التوجهات الاقتصادية الحالية التي يصفها بـ "التدليس"، حيث يتم التذرع بالليبرالية للتخلي عن مسؤوليات الدولة الأساسية.

  • أزمة النقد: يشير إلى التخبط في تبديل العملة (القديمة والجديدة) والنقص في الكتلة النقدية الذي يعيق حركة السوق.
  • غياب الخدمات: تعاني المدن الكبرى مثل حلب واللاذقية من غياب شبه كامل للكهرباء والمياه، بينما تتوجه السلطة لخصخصة هذه القطاعات وإجبار المواطنين على دفع "المعلوم" مقابل أبسط الحقوق.
  • عقلية التكسب: يؤكد معلوف أن "الجماعة لا تتحمل مسؤولية؛ هي تنظر لكل متر من الأملاك العامة كباب للاستثمار والربح".

شروط البقاء وعوامل الانهيار

وفقاً لتحليل نضال معلوف، فإن استمرار هذه السلطة لا يعني استقرار سوريا، بل يعني استمرار حالة "اللا دولة".

مثلث بقاء الأنظمة الاستبدادية:

  1. تماسك النواة الأمنية والعسكرية.
  2. استمرار الموارد والدعم الخارجي (الاعتراف الدولي المؤقت).
  3. بقاء الخصوم المحليين متفرقين وعاجزين عن تقديم بديل.

متى ينهار هذا النموذج؟

يرى معلوف أن الانهيار يبدأ عندما يتصدع أحد هذه الأعمدة، خاصة "الموارد" التي بدأت تظهر عليها علامات التآكل، أو عندما تظهر "قوى وطنية منظمة" تمثل بديلاً حقيقياً على الأرض.

 الحاجة إلى بديل وطني

يختتم نضال معلوف رؤيته بالتأكيد على أن "البقاء الطويل لا يعني الاستقرار الحقيقي". ويناشد السوريين بضرورة الانتقال من حالة السخط السلبي إلى "التنظيم السياسي الواعي".

إن الحل، بحسب معلوف، لا يكمن فقط في انتظار سقوط السلطة الحالية، بل في تهيئة "نواة وطنية" وتيارات فكرية وأحزاب قادرة على تولي مهام الإدارة الانتقالية الحقيقية. ويشدد على أن "الوعي والإدراك السياسي" هو السلاح الأول لمواجهة استنساخ الاستبداد، مؤكداً أن السوريين ليسوا مضطرين لتحمل سلطة "مصنفة" أو "أحادية" تعزلهم عن العالم وتبقي العقوبات فوق رؤوسهم، بل من حقهم الوصول إلى دولة مؤسسات تحترم إرادة الشعب وتضمن تداول السلطة.



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved