الدعم السياسي لأحمد الشرع ومستقبل الدولة السورية

25.05.2026 | 11:26

يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً للظواهر السياسية الراهنة في الجغرافيا السورية، متمثلة في الدعم الدولي غير المسبوق الذي يحظى به رئيس السلطة الانتقالية، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً)، وتداعيات هذا الدعم على بنية الدولة ومستقبلها في ظل مؤشرات التفكك المتصاعدة.

أولاً: ظاهرة الدعم السياسي "غير المسبوق" للشرع

يشير التحليل إلى أن أحمد الشرع يحظى بحالة دعم سياسي دولي فريدة من نوعها في التاريخ الحديث؛ إذ لم يسبق لرئيس سلطة انتقالية لبلد مدمر أن نال هذا الزخم من الاعتراف والتمثيل الدوليين.

مؤشرات الدعم الدولي:

  • قمة السبع الكبار (G7): دعوة الشرع لحضور قمة الدول السبع أو الثماني الكبار، وهو أمر يتجاوز الأعراف البروتوكولية المعتادة للقادة الانتقاليين.
  • النيتو (NATO): حديث عن حضور محتمل لاجتماع قيادة النيتو أو مؤتمره القادم في أنقرة، مما يعكس رغبة تركية في إشراك النيتو في الملف السوري.
  • اللقاءات الدبلوماسية: استقباله من قبل ممثلي قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، وألمانيا، ورفع العقوبات عنه بسرعة لافتة.
  • رسائل الدعم المعنوي: يهدف هذا الدعم العلني إلى تثبيت سلطة الشرع أمام حاضنته الشعبية وفصائله المعارضة، وإرسال رسائل للمستثمرين والنخب بأن الشرع هو "رجل المرحلة" المدعوم دولياً.

ثانياً: نظرية "خزان المخاطر" (الدور الوظيفي للشرع)

يفسر التقرير هذا الدعم الدولي ليس كحب في شخص الشرع أو رغبة في بناء دولة ديمقراطية، بل من منطلق وظيفي بحت يخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية.

مفهوم الجغرافيا السورية كخزان للمخاطر:

تعتبر سوريا اليوم "الحلقة الأضعف" في المنطقة. وبناءً عليه، يرى المجتمع الدولي ضرورة تحويل هذه الجغرافيا إلى "خزان" يضم كافة المخاطر التي تهدد استقرار الدول المجاورة والعالم، وتتلخص مهمة الشرع في أن يكون "حارساً" لهذا الخزان لضمان عدم خروج هذه المخاطر إلى الخارج.

نوع الخطر

الجهة المستفيدة من حصره في سوريا

المتطرفون والمشاريع الجهادية

دول الخليج والمجتمع الدولي (لإبعادهم عن أراضيهم)

المقاتلون الأجانب

دول المصدر وأوروبا

المشاريع الإسرائيلية

إسرائيل (من خلال تأمين حدودها وتوسيع منطقتها العازلة)

ملف اللاجئين

تركيا وأوروبا (منع موجات هجرة جديدة)

 

 

ثالثاً: ملامح التفكك الداخلي و"سيناريو السويداء"

على الرغم من الدعم السياسي الخارجي للشرع، إلا أن الواقع الداخلي يشهد تآكلاً في سلطة المركز وبروز نزعات انفصالية صريحة، مدفوعة بغياب مؤسسات الدولة وفشل السلطة الانتقالية في فرض منطق "المصلحة العامة".

أزمة السويداء ومشروع "دولة الباشان":

  • يبرز خطاب الشيخ حكمت الهجري كتحول جذري من المطالبة باللامركزية إلى المطالبة بالانفصال التام وتأسيس "دولة الباشان".
  • هذا التوجه يحظى بصمت دولي وتواطؤ إقليمي، مما يشير إلى وجود ضمانات وقناعة بأن استقرار "المركز" بعيد المنال.
  • التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري يمهد الطريق لفتح ممر بين السويداء وإسرائيل، مما يعزز فرضية الانفصال لحماية الأقليات مما هو آتٍ من صراعات.

تداعيات الانفصال على الجغرافيا السورية:

  • انفصال السويداء سيعزز بالضرورة نزعات مماثلة في الساحل السوري (الطائفة العلوية) والمناطق الكردية، مما يعني التفكك الفعلي للدولة السورية إلى دويلات أو مناطق حكم ذاتي متناحرة.

رابعاً: الفجوة المؤسساتية وسقوط "وهم الأمان"

ينبه التقرير إلى أن جمهور الشرع الذي يدعمه بدافع البحث عن "الأمان" يقع في فخ تاريخي تكرر مع نظام الأسد؛ حيث تم ربط أمن المجتمع بشخص الحاكم لا بالمؤسسات.

معوقات بناء الدولة في ظل السلطة الحالية:

  1. غياب التمثيل الرقابي: تصدر القرارات من "صندوق أسود" دون مراجعة أو مراعاة للمتضررين، مما يولد سخطاً شعبياً واحتجاجات مستمرة (كما حدث في الرقة، حمص، ودمشق).
  2. ارتباط الأمن بالشخص: غياب شرطة مدنية وطنية مهنية تجعل الأمن مرهوناً بوجود الفصائل والولاء السياسي للشرع، وهو أمن هش وقابل للانهيار بمجرد غياب الشخص.
  3. الفشل في ملف العدالة: عدم البدء الحقيقي في إجراءات "العدالة الانتقالية" يبقي نار الانتقام الكامنة مشتعلة ويغذي خطاب الكراهية.

خامساً: الرؤية المستقبلية والمطالب الوطنية

يخلص التقرير إلى أن الدعم السياسي الدولي للشرع قد يسرع الانفجار بدلاً من تأجيله، لأنه يعفي السلطة من القيام بخطوات وطنية حقيقية. ولتلافي الانهيار الشامل، يقترح التحليل ضرورة بلورة مطالب سورية واضحة أمام المجتمع الدولي:

  • تشكيل هيئة تمثيلية رقابية: لضبط قرارات السلطة التنفيذية ومنع التفرد بالقرار.
  • بناء جهاز شرطة مدني وطني: بتركيبة تشمل كافة المكونات، بعيداً عن الفصائلية والولاءات السياسية.
  • تفعيل العدالة الانتقالية: وفق المعايير العالمية لضمان السلم الأهلي ومنع الصراعات الثأرية.
  • قوانين تجرم الكراهية: إصدار تشريعات واضحة وصارمة لمكافحة خطاب الكراهية والتمييز الطائفي.

الخلاصة: إن بقاء أحمد الشرع كـ "حارس لخزان المخاطر" هو حل مؤقت للقوى الدولية، ولكنه استنزاف مدمر للدولة السورية. إن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر تلميع الأشخاص سياسياً، بل عبر البدء الفوري في عملية بناء مؤسسات تضمن الحقوق وتحمي الوجود السوري ككيان موحد، قبل أن يتحول التفكك الراهن إلى واقع نهائي لا يمكن الرجوع عنه.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved