السخط الشعبي في شرق سوريا ومستقبل الحكم في "سوريا الجديدة"

29.07.2026 | 12:25

 يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل قراءة معمقة للأوضاع الراهنة في سوريا، مركزاً على حالة السخط الشعبي المتصاعدة في المناطق الشرقية، والتحولات في الخطاب السياسي للسلطة الحاكمة في شمال وشمال شرق سوريا، وذلك في أعقاب حادثة "السخنة" المؤسفة التي شكلت فتيلًا لانفجار التراكمات الناجمة عن الإهمال والتهميش.

أولًا: حادثة "السخنة" واندلاع فتيل السخط الشعبي

يرى نضال معلوف أن حالة الغضب التي اجتاحت المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة) ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة.

  • الحدث كشرارة: يشبّه معلوف حادثة السخنة (التي راح ضحيتها عشرات من أبناء المنطقة) بحادثة "بوعزيزي" في تونس؛ فهي لم تكن السبب الوحيد، بل الفتيل الذي أشعل ركامًا من الإحباط الناتج عن غياب الخدمات والتمييز التنموي.
  • المفارقة التنموية: يشير التحليل إلى مرارة أهالي المنطقة الذين يمتلكون موارد النفط والقمح، ومع ذلك يضطر أبناؤهم للعمل كعساكر أو عمال في مناطق أخرى لتأمين قوت يومهم، بينما تعاني منطقتهم من تدهور البنية التحتية وغياب المستشفيات.
  • عقلية "الجماعة" مقابل "الدولة": ينتقد معلوف تعامل السلطة المركزية مع موارد المنطقة، حيث تُعتبر هذه الموارد "بابًا للربح والتكسب" لتقوية الجماعة الحاكمة بدلاً من استثمارها في تنمية المجتمع المحلي.

ثانيًا: تصاعد المطالب باللامركزية الإدارية

برزت في الآونة الأخيرة نبرة صريحة تطالب باللامركزية، وهو ما يعتبره معلوف تحولًا جذريًا في مواقف القوى الفاعلة في المنطقة.

  1. رغبة أبناء المنطقة: هناك رفض متزايد لأن يُحكم أبناء المنطقة من قبل أشخاص "غرباء" (من إدلب أو غيرها) لا يفهمون الطبيعة العشائرية والتنوع الثقافي (أكراد، أشوريين، سريان) للمنطقة الشرقية.
  2. تحول موقف العشائر: يلفت معلوف الانتباه إلى أن العشائر التي وقفت سابقًا ضد مشروع اللامركزية الذي طرحته "قسد"، أصبحت اليوم هي ذاتها التي تنادي باللامركزية نتيجة فشل السلطة المركزية في تأمين المتطلبات الأساسية.
  3. دعم من داخل البيئة السياسية: استشهد معلوف بطرح الدبلوماسي السابق بسام برابندي، الذي رأى أن اللامركزية الإدارية قد تكون الأداة الأهم لمساعدة الدولة في هذه المرحلة.

 

ثالثًا: نقد الخطاب السياسي لـ "الشرع" والشيباني

خصص نضال معلوف حيزًا واسعًا لتحليل الظهور الإعلامي الأخير لرئيس السلطة (المشار إليه بالرئيس "الشرع") وتصريحات الشيباني، معتبرًا إياها منفصلة عن الواقع السوري المرير.

1. وهم "سوريا الجديدة" وانعدام الرؤية الانتقالية

ينتقد معلوف إصرار المسؤولين على الحديث عن "تجربة باهرة" و"سوريا جديدة" تجاوزت مرحلة الانهيار، بينما الواقع يشير إلى دولة تعاني من غياب الكهرباء، والمياه، والخدمات الأساسية. ويؤكد أن هؤلاء المسؤولين يرفضون الاعتراف بأنهم في "مرحلة انتقالية"، بل يتعاملون كحكام دائمين في دولة مستقرة.

2. إشكالية "الرأي" مقابل "الإرادة الشعبية"

توقف معلوف بحدة عند إجابة "الشرع" حول شكل الحكم والديمقراطية، حيث قال الأخير: "نحن ندفع باتجاه مشاركة الناس.. أن يكون لهم رأي أيضًا في اختيار حاكمهم".

  • النقد السوري: يرى معلوف أن استخدام كلمة "رأي" و"أيضًا" هو إهانة للشعب السوري؛ ففي الدول الحديثة، الشعب هو "صاحب القرار" و"الحاكم الفعلي"، والمسؤول هو "موظف" لديه.
  • منطق الشورى المستبد: يحلل معلوف هذا الخطاب بأنه استنساخ لمنطق "الشورى" التقليدي حيث يستأنس الحاكم برأي الناس دون الالتزام به، وهو ما يتناقض جذريًا مع مفهوم الديمقراطية حيث تنفذ السلطة إرادة الشعب.

3. التهرب من "هوية الدولة"

ينتقد معلوف تهرب "الشرع" من تحديد هوية الدولة السورية (مدنية، دينية، ديمقراطية) تحت ذريعة "عدم تقييد أنفسنا بتعريفات فلسفية". ويرى معلوف أن القول بأن "سوريا هي سوريا" هو هروب من المسؤولية وتثبيت لفكر "جهادي سلفي" غير معلن يرفض أسس الدولة الحديثة.

رابعًا: مجلس الشعب والاعتراف الأممي

تطرق التحليل إلى دور مجلس الشعب الجديد والرسائل السياسية المرتبطة به:

  • زيارة الأمين العام للأمم المتحدة: اعتبر معلوف أن لقاء الأمين العام مع رئيس مجلس الشعب "عبد الحميد العواك" هو اعتراف أممي ضمني بوجود سلطة تشريعية، وهو ما قد يفتح ثغرة في "الكرة الحديدية" للسلطة التنفيذية.
  • الأمل في الاستقلالية: يعول معلوف على أعضاء البرلمان ألا يتحولوا إلى "كراكوزات" أو "دمى" كما كان الحال في عهد النظام السابق، داعيًا إياهم لانتزاع صلاحياتهم والوقوف في وجه تغول السلطة التنفيذية.

خامسًا: الأوضاع في الجنوب السوري (درعا والقنيطرة)

عرض معلوف شهادات مؤلمة من الجنوب السوري تظهر حجم الانتهاكات الإسرائيلية وغياب الحماية الرسمية:

  • الانتهاكات الميدانية: دخول الجيش الإسرائيلي للقرى، تفتيش المنازل، ترويع النساء والأطفال، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
  • غياب الدولة: الشهادات تؤكد عدم وجود أي قوة تحمي المدنيين العزل من التجاوزات الإسرائيلية، مما يعزز شعور الإحباط من قدرة السلطة الحالية على حماية السيادة الوطنية.

سادسًا: رؤية للمستقبل (مشروع دولة المواطنة)

يختتم نضال معلوف إحاطته بالتأكيد على وجود مشروعين متناقضين في سوريا اليوم:

وجه المقارنة

مشروع السلطة الحالية (كما يراه معلوف)

مشروع دولة المواطنة المنشودة

مصدر السلطة

الحاكم "المقدس" أو "الجماعة"

الشعب هو مالك القرار والحاكم الفعلي

دور المواطن

صاحب "رأي" يُستأنس به (أو لا)

صاحب إرادة ملزمة للحاكم

طبيعة الحكم

حكم "جماعة" مؤدلجة (أشبه بالمافيا)

دولة قانون ومؤسسات وتداول سلطة

الهوية

مبهمة تتهرب من التعريفات الحديثة

دولة مدنية ديمقراطية واضحة المعالم

يؤكد نضال معلوف أن الطريق الوحيد لاستقرار سوريا هو الاعتراف بـ "المرحلة الانتقالية" والعمل الجاد على بناء "دولة المواطنة". ويرى أن السوريين الذين ضحوا طوال 14 عامًا لن يقبلوا باستبدال دكتاتور بآخر، وأن الوعي السياسي هو السلاح الأهم لمواجهة مشاريع "الأمرة" و"القداسة الزائفة"، وصولًا إلى دولة تحفظ كرامة السوريين جميعًا دون استثناء.



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved