المشهد السوري الراهن بين سياسة الاحتواء وهشاشة الاستقرار
06.07.2026 | 13:00
يقدم رئيس التحرير نضال معلوف تحليلاً معمقاً للتطورات الأخيرة في سوريا، رابطاً بين الأحداث الأمنية الميدانية والتحركات السياسية الإقليمية، مع تسليط الضوء على استراتيجية دولية يصفها بـ "سياسة الاحتواء" التي تُمارس تجاه القوى المسيطرة حالياً.
أولاً: سياسة الاحتواء.. استراتيجية التفكيك من الداخل
يرى نضال معلوف أن ما يجري مع الإدارة الحالية في دمشق (إدارة أحمد الشرع/ هيئة تحرير الشام) ليس إلا تطبيقاً لمصطلح سياسي معروف تاريخياً بـ "سياسة الاحتواء". وتعتمد هذه السياسة على عدة ركائز:
مزيج الجزرة والعصا:تقديم حوافز كبيرة (الجزرة) مقابل السير في مسار محدد يفكك القوى من الداخل، لأنه غالباً ما يكون عكس الأيديولوجيا التي بنيت عليها تلك القوى.
الاستنزاف التدريجي:تهدف هذه السياسة إلى استهلاك القوى وإضعافها وتشتيتها، وتحييد خطرها على القوى الدولية دون الحاجة لمواجهة عسكرية مباشرة.
تكرار النموذج:يشير معلوف إلى أن هذه السياسة طُبقت سابقاً مع بشار الأسد تحت مسمى "خطوة بخطوة" والانفتاح العربي، واليوم تُعاد التجربة مع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بجرعات أكبر من "الحوافز" السياسية.
ثانياً: تفجير دمشق.. رسائل الاستقرار الهش
توقف معلوف مطولاً عند التفجير الذي هز العاصمة دمشق مؤخراً، معتبراً إياه حدثاً غير عابر يحمل دلالات أمنية وسياسية خطيرة:
1. الرسائل الميدانية
توجيه القلق:الفاعل يوجه رسالة مفادها القدرة على الوصول إلى قلب العاصمة واستهداف الحياة الطبيعية، مما يعيد حالة القلق للناس.
هشاشة الاستقرار:يثبت التفجير أن الاستقرار الحالي في سوريا هو استقرار "هش" قد ينهار في أي لحظة.
2. نقد الرواية الرسمية (سلطة الشرع)
انتقد معلوف سرعة تبني السلطة لرواية "العبوة الناسفة البدائية" واتهام "الفلول" (بقايا النظام السابق) دون تقديم أدلة ملموسة:
غياب الشفافية:لم تُعرض تسجيلات كاميرات المراقبة في منطقة حيوية كوسط العاصمة، ولم تُقدم تحقيقات موثقة.
التشابه مع نظام الأسد:يرى معلوف وجهاً كبيراً للشبه بين سلطة الشرع والأسد في محاولة إبعاد المسؤولية عن النفس، والتعامل بلامبالاة مع الرأي العام، وتقديم روايات ضعيفة الحبكة.
الاحتمالات القائمة للجهة المنفذة حسب التحليل
"الفلول" أو جهات مرتبطة بإيران:بهدف تخريب المرحلة الانتقالية.
خلافات داخلية:فصائل داخل هيئة تحرير الشام غير راضية عن مسار الشرع.
تنظيم الدولة (داعش):عبر خلايا نائمة أو فصائل تتبنى أيديولوجيته.
ثالثاً: زيارة الشيباني لبيروت.. تكتيك مؤقت لا تغيير استراتيجي
حلل معلوف زيارة وزير الخارجية (الشيباني) إلى لبنان، وخاصة مدينة طرابلس، من منظور "توازن القوى":
استقبال طرابلس:اعتبر معلوف أن الاستقبال الشعبي في طرابلس لم يكن عفوياً بل منظماً لتوجيه رسالة بأن السوري الذي كان مع "المحور الشيعي" أصبح اليوم مع "المحور السني"، وهو ما يخرج الزيارة عن سياق العلاقات بين الدول إلى سياق المحاور الطائفية.
القدرة على التأثير:يؤكد معلوف أن إدارة الشرع اليوم "غير قادرة" على تغيير موازين القوى في المنطقة. فبينما كان حافظ الأسد يملك جيشاً وأمناً وقراراً مركزياً موحداً، تفتقر الإدارة الحالية للسيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية (السويداء، مناطق الأكراد، الساحل).
وزن سياسي "صفري":يصف معلوف وزن السلطة الحالية في رسم خارطة النفوذ المستقبلية بأنه "شبه صفري"، وأن تحركاتها الحالية تهدف فقط لتخفيف الضغط السياسي عنها.
رابعاً: التثقيف السياسي ومواجهة "الإنسان المقهور"
أعلن نضال معلوف عن توجهه نحو مشروع "التثقيف السياسي" كحل وحيد للخروج من الدائرة الجهنمية التي تعيشها سوريا، معتمداً على مفاهيم علمية واجتماعية:
مفهوم الإنسان المقهور:يشير إلى حالة يعيشها معظم السوريين (ظالمين ومظلومين)، حيث يتمسك الإنسان بالديكتاتورية والوصاية نتيجة شعوره بالعجز وعدم القدرة على اتخاذ قرار يعبر عن مصالحه.
محاربة الجهل السياسي:يرى أن بقاء الإنسان في حالة "القهر" يجعله أداة للمستبد، والحل يكمن في الوعي ومحاربة الجهل بالحقوق والواجبات السياسية.
دور الصحفي:يضع معلوف نفسه في دور "المبسط للأفكار" والناقل لآراء المفكرين والباحثين للجمهور العام، لردم الفجوة المعرفية التي ساهمت في وصول الحال إلى ما هو عليه.
خامساً: بؤر التوتر الداخلي (السويداء والقبائل)
أشار التقرير إلى أن المشهد السوري مفكك بوضوح من الداخل:
السويداء:الاشتباكات في الريف الغربي والتوتر مع سلطة الشرع يهدد بانفجار صراع جديد. يرى معلوف أن السويداء هي "الركن الأساسي" لوحدة سوريا، وأي محاولة لإخضاعها عسكرياً هي "قمة الغباء" وستُعامل كقوة احتلال.
التململ القبلي:ظهور بوادر اعتراض من القبائل تجاه تمثيلها في مجلس الشعب، مما يشير إلى تصدع في الحاضنة الشعبية.
الأزمات المعيشية:النقص في البنزين والخبز والكهرباء والماء ليس مجرد ظروف اقتصادية، بل قد يكون جزءاً من عملية استنزاف الحاضنة ضمن سياسة الاحتواء.