قراءة تحليلية ، يطرح المحامي والسياسي أنس جودة ملامح مرحلة "سوريا الوظيفية". مرحلة لا تعترف بالوعود الشفهية السيالة، بل بالاستحقاقات الميدانية التي تفرضها إدارة أمريكية تؤمن بلغة الأفعال والنتائج. إليكم الحقائق الخمس التي تشرح كيف يتم إعداد سوريا لتكون "بيدقاً" في رقعة شطرنج إقليمية كبرى.
١. سوريا "كمقدم خدمة" أمنية.. السيادة في مهب المحاور
لم تعد النظرة الدولية لسوريا تنطلق من كونها دولة ذات سيادة، بل يتم استيعابها تدريجياً كجزء من "البنية الأمنية للإقليم". هذا التحول الصادم يعني أن بقاء السلطة لم يعد غاية سياسية، بل مجرد ضرورة "وظيفية" لتقديم خدمات أمنية محددة وسط صراع المحاور المشتعل.
صراع العمالقة: تتحرك سوريا اليوم وسط تجاذب محورين أساسيين؛ (تركيا-السعودية) من جهة، و**(إسرائيل-الإمارات)** من جهة أخرى. هذا التنافس ليس على النفوذ السياسي فحسب، بل على الهيمنة المطلقة وممرات الطاقة الحيوية.
تحييد القوى: لا يكترث المجتمع الدولي بالتفتت الداخلي طالما يتم ضبط القوى الأساسية (الأكراد، السويداء، الفصائل المرتبطة بتركيا) ضمن تفاهمات كبرى. الأهمية تكمن في قدرة السلطة على "ضبط الإيقاع" الأمني بما يخدم الجوار.
"الإقليم يفترض دوراً أمنياً للسلطة لم يتم تعريفه بالكامل بعد؛ هو متروك للحظة تمظهر قد تنجح فيها السلطة أو تفشل، وكل اللعبة السياسية اليوم معلقة على هذا الخيط."
٢. نهاية حقبة "حبيب الكل": لماذا لن تنجح الوعود مع ترامب؟
لسنوات، اعتمدت دمشق إستراتيجية فتح خطوط مع الجميع (روسيا، إيران، الغرب) وإطلاق وعود متناقضة. هذا النهج الذي يتسم بـ "السيولة العالية" وصل إلى طريق مسدود مع إدارة ترامب التي لا تمنح وقتاً للمناورات الباردة.
فخ المقارنة مع أردوغان: يحاول البعض تشبيه مناورات دمشق بأسلوب أردوغان الذي يرقص بين الشرق والغرب، لكن الفرق شاسع؛ فأردوغان يمتلك رافعة "الناتو" ويتحرك ضمن خطوطها الحمراء، بينما تناور السلطة السورية في "الفراغ" وبلا حوامل حقيقية، محاولةً الإيحاء بقدرتها على ضبط اللعبة وهي لا تملك من أمرها الكثير.
الاستحقاق الأمريكي: ترامب يبحث عن "الرجل القوي" الذي ينفذ، لا الذي يعد. الوعود الخيالية التي أُعطيت للروس ثم للأمريكيين ثم للإيرانيين لم تعد تنطلي على أحد، وأصبح المطلوب اليوم هو "الدفع نقداً" في المواقف السياسية.
٣. لغز القواعد الروسية: من أصول سيادية إلى مراكز تدريب
تعد قضية القواعد الروسية "حجر الزاوية" في الاستحقاق القادم. إدارة ترامب لن تقبل بوجود روسي يتمتع بـ قدرات استطلاع ومتابعة في منطقة صراع مفتوحة مع الناتو.
بالون الاختبار في لندن: زيارة الشرع إلى لندن ولقاؤه مع "تشاتام هاوس" لم تكن مجرد جولة دبلوماسية، بل كانت إشارة أولية لاستعداد السلطة لإعادة النظر في دور القواعد الروسية.
التنازل المطلوب: المطلوب أمريكياً هو تحويل هذه القواعد من مراكز نفوذ إستراتيجي لروسيا إلى مجرد "مراكز لتدريب الجيش السوري"، وهو تنازل جوهري يهدف لتقليص المخاطر الروسية مقابل بقاء السلطة، وهو ما يضع دمشق في صدام مباشر مع "الحليف" الذي حماها لسنوات.
٤. التقسيم الوظيفي : حين يكون البقاء هو الوصفة المثالية للتفتيت
ثمة مفارقة مريبة؛ فالسلطة التي رفعت شعار "وحدة سوريا" باتت هي المحرك الأساسي لتقسيمها الفعلي. رفض السلطة للوصول إلى توازن حقيقي مع السوريين يؤدي بالضرورة إلى "تقسيم السيطرة" لا التقسيم الجغرافي المعلن.
انهيار العصب الفصائلي: تراهن السلطة على عصبها الأمني فقط، وحين يعجز هذا العصب عن تغطية جغرافيا معينة، يتم "تحميل" المهام الأمنية لفصائل محلية، مما يكرس سلطات متناقضة ومتصارعة على الأرض الواحدة.
وصفة التقسيم: "من كان يضغط لإبقاء السلطة بداعي الحفاظ على وحدة سوريا، هو نفسه من يقود البلاد الآن نحو التقسيم عبر التمسك ببنية ترفض التشارك وتعتمد كلياً على شرعية الخارج".
٥. الحقيقة المرة: السوريون تحت رحمة "القطارة" الدولية
في عالم السياسة البارد، لم تعد الاحتجاجات أو الأزمات المعيشية تحرك ساكناً في العواصم الكبرى ما لم تتحول إلى تهديد أمني مباشر للجوار أو لمصالح القوى العظمى.
أوراق التفاوض : حزمة الإصلاحات السبعة (الديمقراطية، التعددية، وغيرها) ليست بالنسبة لترامب أهدافاً أخلاقية، بل هي مجرد "أوراق تفاوض" وسواتر دخانية للمطالب الحقيقية المتمثلة في الولاء الأمني المطلق.
سياسة "القطارة": يتم التعامل مع الانهيار الاقتصادي السوري بأسلوب "القطارة"؛ يُمنح الدعم بالحد الأدنى الذي يمنع الانفجار الشامل، ليبقى الهيكل الوظيفي للسلطة قائماً ريثما يتم حسم دورها في المعركة الكبرى ضد النفوذ الإيراني.
الخاتمة: هل تنجو السلطة بالانصياع؟
لقد تحول الملف السوري من قضية حقوق وشعب إلى مجرد "بيدق" في صراع ممرات الطاقة والهيمنة الإقليمية. السلطة التي رهنت شرعيتها بالخارج منذ اليوم الأول، تجد نفسها اليوم عاجزة عن رفض الدور الوظيفي الجديد الذي يُرسم لها في واشنطن.
السؤال الذي يبقى معلقاً في أفق "سوريا الجديدة": هل يمكن لسلطة فقدت حواملها المجتمعية وقطعت كل الجسور مع شعبها أن تعيش طويلاً كمقدم خدمة أمنية للخارج، أم أن الانهيار الكامل هو الثمن الحتمي لبنية رفضت التوازن وقبلت التبعية؟