يقدم رئيس التحرير، نضال معلوف، في هذا التسجيل التحليلي قراءة للمسار السياسي الحالي في سوريا، مركزاً على التحولات الجوهرية التي أعقبت سقوط نظام الأسد وتصدر "أبو محمد الجولاني" (أحمد الشرع) وهيئة تحرير الشام للمشهد السلطوي. يستعرض التحليل كيف تحول "الحلم السوري" ببناء دولة القانون والرفاه إلى مواجهة حتمية مع سلطة "الجماعة" التي بدأت ركائزها الأساسية في التآكل.
الصراع البنيوي: مفهوم "الجماعة" في مواجهة "الدولة"
يؤكد التحليل أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في هوية الأشخاص الذين ملؤوا الفراغ بعد سقوط الأسد، بل في "النوايا والترتيبات" التي هدفت إلى استحواذ فصيل واحد (هيئة تحرير الشام) على الحكم. هذا الاستحواذ خلق تصادماً بنيوياً بين مفهومين متناقضين:
أزمة التنوع والسياسات الإقصائية
أدى إصرار سلطة "الشرع" على الاستئثار بالحكم إلى خلق "مشكلة وجودية" مع أطياف المجتمع السوري المتنوعة. وبدلاً من استيعاب الأقليات (دروز، مسيحيين، علويين، أكراد)، قامت السلطة بـ"دق الأسافين"، مما أدى إلى تفتت الحلم السوري في الحفاظ على سوريا موحدة. فالمجتمع الذي لا سجم مع الأيديولوجيا السلفية الجهادية وجد نفسه مستبعداً تماماً من مشروع الحكم الجديد.
انهيار الركيزتين الأساسيتين لحكم الشرع
يرى نضال معلوف أن حكم أحمد الشرع استند منذ بدايته إلى ركيزتين أساسيتين، وكلاهما يشهد الآن انهياراً متسارعاً:
الركيزة الأولى: سلاح الوعود والأمل الوردي
اعتمدت السلطة في بداياتها على رسم صورة وردية للمستقبل، ووعدت السوريين بحياة رغيدة تصل إلى مستوى "سنغافورة". تم تسويق وعود بكهرباء على مدار الساعة، وزيادة في الرواتب بنسبة 400%، وتوفر كافة الخدمات.
الركيزة الثانية: السيطرة على السردية عبر "السوشال ميديا"
استخدمت السلطة حملات علاقات عامة ضخمة، وجيشت "مؤثرين" وجيوشاً إلكترونية لفرض سردية واحدة وقمع أي صوت مشكك.
مظاهر العجز المالي والخدمي (مؤشرات الإفلاس)
تشير البيانات الواردة في السياق إلى تدهور حاد في قدرة الإدارة الحالية على القيام بمسؤولياتها، ويمكن تلخيص هذه المؤشرات في الجدول التالي:
|
القطاع |
مظاهر الأزمة والعجز |
|
الرواتب والتعويضات |
تأخر صرف الرواتب لمدد تصل إلى 20 يوماً، وعدم صرف رواتب المتقاعدين والكوادر الطبية في المناطق النائية لعدة أشهر. |
|
القطاع الزراعي |
عدم صرف مستحقات المزارعين (محصول القمح) لشهور طويلة، مما يهدد الأمن الغذائي للموسم القادم. |
|
الخبز |
إغلاق أفران بحجج "مخالفات تموينيه"، وسوء جودة الطحين، وارتفاع سعر الربطة في بعض المناطق إلى مستويات قياسية (14 ألف ليرة). |
|
الكهرباء والمياه |
تقنين جائر وتوقف الدعم القطري للكهرباء، مع انتشار سياسة "الأعطال والصيانة" كذريعة للعجز عن الإمداد. |
|
الخدمات البلدية |
تراكم القمامة في الشوارع وانسداد الصرف الصحي وتهالك الطرقات في مختلف المدن السورية. |
|
الصحة والتعليم |
تدهور حالة المدارس والمشافي العامة نتيجة نقص المستلزمات والأدوية ورواتب الأطباء، والتوجه نحو "الخصخصة المستترة". |
خرافة "الخذلان الدولي" والمسؤولية السياسية
تتبنى إدارة "الشرع" خطاباً يحمل المجتمع الدولي مسؤولية تردي الأوضاع تحت مسمى "الخذلان". إلا أن التحليل يفند هذه الادعاءات، معتبراً أن السلطة هي من "خذلت الشعب السوري" للأسباب التالية:
ملف العدالة الانتقالية: قضية "محمد حمشو" نموذجاً
يسلط نضال معلوف الضوء على قضية رجل الأعمال "محمد حمشو" كدليل على غياب العدالة وانتقائية المحاسبة في عهد الشرع.
إن استمرار هذا النهج يعني ضياع فرصة بناء "دولة القانون والرفاه"، حيث لن يتحقق حلم الكفاية والكرامة طالما بقيت عقلية "الجماعة" هي المتحكمة في مصير السوريين. السوشال ميديا، التي كانت يوماً حصناً للسلطة، أصبحت اليوم الساحة التي تفكك شرعيتها وتكشف زيف وعودها أمام الرأي العام.