تقليل المخاطر السورية: قراءة في زيارتي "الشرع" إلى ألمانيا وبريطانيا وأبعاد "الاستقرار الهش"

02.04.2026 | 00:42

تمثل الزيارات الأخيرة التي قام بها "الشرع" إلى كل من ألمانيا وبريطانيا انعطافة استراتيجية في المقاربة الأوروبية تجاه الملف السوري؛ حيث انتقلت هذه العواصم من أدبيات "دعم التحول الديمقراطي" إلى تبني "استراتيجية تقليل المخاطر

ينطلق هذا الحراك من قراءة تحليلية ترى في سوريا اليوم "ملف مخاطر" يستوجب الاحتواء لمنع انفجار وشيك قد تعصف شظاياه بالأمن الإقليمي والقاري.

وتراقب الدوائر السياسية في أوروبا، ومعها الجانب التركي، ما يمكن وصفه بـ "تآكل السلطة البطيء" في دمشق وفشلها البنيوي في إدارة الأزمات، وهو ما يثير مخاوف من سيناريو الانهيار المفاجئ وما يتبعه من فراغ أمني وفوضى عارمة.

إن الهدف الجوهري لهذه التحركات ليس إعادة الشرعية المطلقة، بل السعي لـ "تأجيل الاستحقاقات الكارثية" وضمان حد أدنى من التماسك المؤسساتي لمنع تحول سوريا إلى ثقب أسود يصدر الأزمات.

معضلة اللاجئين ورهان "استراتيجية الاستبقاء الوظيفي"

تكتسب ألمانيا أهمية استثنائية في هذا المسار لكونها المستضيف الأكبر للاجئين السوريين، مما جعل السياسة الخارجية تجاه سوريا رهينة لحسابات الاستقرار الداخلي الألماني.

ومن هنا، تم إخراج زيارة "الشرع" بصبغة بروتوكولية تقترب من "زيارة الدولة" لتقديم دعم سياسي معنوي يهدف لمساعدة السلطة على "الصمود" و"شراء الوقت".

فجوة الواقعية في طروحات العودة خلال المحادثات، طُرح رقم لافت يشير إلى إمكانية عودة 80% من اللاجئين السوريين في ألمانيا خلال ثلاث سنوات.

وبتحليل هذا الطرح، نجد أنه يتصادم مع واقع ميداني واقتصادي محطم؛ إذ لا تفتقر سوريا فقط لمتطلبات إعادة الإعمار، بل إن الأولويات الإنسانية تذهب لملايين النازحين في المخيمات قبل التفكير في استعادة لاجئي أوروبا.

والأهم من ذلك هو "العامل الديمغرافي القلق"، حيث تشير التقديرات إلى أن نصف السكان الحاليين، لاسيما فئة الشباب، يطمحون للهجرة فور توفر الفرصة، مما يجعل وعود العودة مجرد سقف تفاوضي يفتقر للأدوات التنفيذية.

فبرلين تتبنى اليوم "استراتيجية الاستبقاء الوظيفي"، حيث تهدف من الزيارة إلى:

تحويل السلطة إلى "حرس حدود": القبول بأي سلطة تمنع تدفق موجات هجرة جديدة نحو تركيا والاتحاد الأوروبي.

التعاون الإجرائي في الترحيل: انتزاع الحد الأدنى من التعاون في ملف إعادة "المرفوضين" أو الراغبين في العودة، حتى لو بنسبة 8% بدلاً من 80%.

منع الانهيار المفاجئ: توفير شبكة أمان سياسية تمنع تحول "الاستقرار الهش" إلى فوضى شاملة في ظل اضطراب أسعار الطاقة والأعباء الاقتصادية الأوروبية.

 

المحطة البريطانية: "الشرع" في مختبر التقييم الأمني

على عكس الاستقبال البروتوكولي في ألمانيا، ارتدت زيارة لندن طابعاً "وظيفياً أمنياً" بامتياز. فبريطانيا، كلاعب أمني دولي تقليدي، لا تتعامل مع الملف السوري من منظور اقتصادي أو إنساني صرف، بل من منظور "التقييم الاستخباراتي" والتحقق من الكفاءة.

اختبار القدرة لا النية تتجلى أهمية الزيارة في لقاءات "الشرع" مع رئيس الوزراء "كير ستارمر" ووزيرة الداخلية "شبانه محمود"؛ وهو ما يضع الزيارة في خانة "الأمن القومي".

لندن لا تتساءل عما إذا كان "الشرع" يريد التعاون، فهي تدرك رغبته في ذلك لكسب الشرعية، بل تختبر قدرته وكفاءته في تنفيذ الملفات التالية:

مكافحة الإرهاب: التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب والحركات الجهادية العابرة للحدود.

تحجيم النفوذ الإيراني: مدى قدرته على ضبط التوازنات ومنع التوسع الإيراني المهدد للمصالح الغربية.

المصالح الاستراتيجية: التزام الإدارة السورية بالمتطلبات الأمنية التي يفرضها التحالف البريطاني-الأمريكي التاريخي.

 

المقايضة الكبرى: "نزع الطابع الديمقراطي" مقابل الأمن الحدودي

تكشف التحركات الأخيرة عن "براغماتية فجة" في السياسة الدولية، حيث تم تهميش تطلعات "الدولة المدنية" والقيم الديمقراطية لصالح "الاستقرار الهش".

يتجلى هذا التحول في قبول العواصم الغربية للتعاون مع قيادات غير منتخبة طالما أنها تضمن "عدم تصدير الأزمات.

إن المجتمع الدولي اليوم يقبل بنماذج "الدول الفاشلة المستقرة" كما هو الحال في العراق ولبنان واليمن، حيث يتم التعامل مع قادة يبحثون عن البقاء في السلطة مقابل ضمان الرضا الخارجي.

وفي هذا السياق، يسعى "الشرع" بذكاء لـ "تنويع شبكة الأمان السياسي" الخاص به، محاولاً كسب حلفاء أوروبيين لتقليل اعتماده الكلي على الإدارة الأمريكية، مقدماً نفسه كـ "صمام أمان" وحيد قادر على منع الصراع الطائفي وحماية المكونات السورية.

 

السوريون في عين العاصفة بين التقييم والانتظار

ختاماً، يمكن القول إن السوريين في المنظور الأوروبي الراهن قد جُرّدوا من صفتهم كفاعلين سياسيين، ليتحولوا إلى "عوامل خطر" يسعى العالم لإدارتها وتقليل آثارها. إن مصير التقارب مع "الشرع" يظل مرهوناً بنتائج "المراقبة والمتابعة" في المختبر الأمني البريطاني والسياسي الألماني.

إن المرحلة القادمة هي مرحلة "اختبار الكفاءة"؛ فإما أن تثبت السلطة قدرتها على تحويل "الاستقرار الهش" إلى واقع وظيفي مقبول دولياً، أو أن يتكشف عجزها عن الوفاء بالتزاماتها الأمنية، مما سيعيد سوريا إلى مربع الترقب لسيناريوهات الانفجار التي يخشاها الجميع، والتي لن تستطيع أي "شبكة أمان" حينها احتواء تداعياتها العابرة للقارات.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved