يقدم رئيس التحرير نضال معلوف تحليلاً للمشهد السوري الراهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، مفككاً ما يصفه بـ "خرافة الإنجازات الخارجية" لإدارة أحمد الشرع (الجولاني سابقاً). يركز على تحول سوريا في وعي الكثيرين إلى "غنيمة" يجري تقاسمها، بدلاً من كونها دولة تتطلب البناء المؤسسي، مع تسليط الضوء على التغلغل الإسرائيلي الذي حول الأراضي السورية إلى "عمق أمني" مستباح.
أولاً: سوريا كـ "غنيمة".. تبادل الأدوار والاستيلاء على المكتسبات
يشير نضال معلوف إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في تعامل فئات واسعة من السوريين مع البلاد بعد سقوط النظام كغنيمة مستباحة. هذا المنطق لم يقتصر على السلطة الجديدة فحسب، بل امتد ليشمل شرائح مختلفة:
المغتربون واللاجئون:يرى معلوف أن هناك نوعاً من "تبادل الأدوار"؛ فالمغتربون الذين كانوا "مرضياً عنهم" أيام الأسد خسروا ميزاتهم، بينما انقض مغتربون ومعارضون سابقون على سوريا كغنيمة لتثبيت حصصهم في السوق أو الحصول على حرية التنقل، بغض النظر عن المسار الذي تسلكه البلاد.
المهمشون والانتهازيون:برزت طبقة جديدة من الأشخاص الذين كانوا مهمشين سابقاً، وأصبح همهم الوحيد هو "الظهور" وتصدر المشهد الإعلامي والاجتماعي، ممارسين نفس "الموبقات" التي كانت تمارس في عهد الأسد، مثل المحسوبية والفساد والولاء السياسي الأعمى.
تغييب المصلحة العامة:يؤكد معلوف أن معظم هذه الفئات استعجلت "قطف الثمار" دون مراعاة ضرورة وقوف سوريا على قدميها وبناء دولة القانون، مشدداً على أن "قصر النظر" سيؤدي في النهاية إلى تكرار مأساة العقوبات والتضييق الدولي على كل من يرتبط بإدارة دكتاتورية أو فاسدة.
ثانياً: دلالات التوغل الإسرائيلي وسقوط مفهوم "السيادة"
في قراءته لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إلى جبل الشيخ، يفند معلوف ادعاءات "النجاح الخارجي" لإدارة الشرع:
تحول الحدود إلى "عمق أمني":لم تعد هناك حدود جغرافية محترمة بين سوريا وإسرائيل؛ بل أصبحت الأراضي السورية وفق التصريحات الإسرائيلية "عمقاً أمنياً" لحماية أمن إسرائيل، مع غياب أي رادع يمنع التوغل لعدة كيلومترات.
مفاوضات الأمر الواقع:يرى معلوف أن المفاوضات القادمة لن تنطلق من خطوط عام 1974، بل ستتمحور حول "الأمر الواقع" وما ستسمح إسرائيل بوجوده أو عدم وجوده من قوات وأسلحة في الجنوب السوري.
الجيش "الإرهابي":يصف المسؤولون الإسرائيليون الجيش السوري الحالي بـ "الجيش الإرهابي"، مما يعطيهم مبرراً دائماً لضربه ومنع بناء أي قوة عسكرية حقيقية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
إذلال السلطة السورية:ينتقد معلوف عجز الإدارة الحالية عن توظيف "علاقاتها الخارجية" المزعومة (مع أمريكا وفرنسا وتركيا) لحفظ كرامة السيادة السورية، واصفاً ما يحدث بـ "الإذلال الأسبوعي" الذي يمس صورة رئيس الدولة والسيادة الوطنية.
ثالثاً: نقد "النفاق الثقافي" والبحث في العلوم السياسية
يوجه نضال معلوف انتقاداً لاذعاً لبعض الباحثين والمثقفين، متخذاً من "وائل ميرزا" نموذجاً، متهماً إياهم بتضليل الرأي العام:
القراءة الصوفية مقابل الواقع السياسي:ينتقد معلوف لجوء الباحثين إلى الطروحات الصوفية والتاريخية (مثل القول بأن الجبال تبقى والبشر يفنون) للتعليق على أحداث سياسية كبرى مثل احتلال جبل الشيخ، معتبراً ذلك "خيانة لأمانة المهنة".
تغييب الدلالات الراهنة:يرى معلوف أن وظيفة الباحث هي شرح تأثير الزيارة على الواقع الحالي والسنوات القادمة، وليس الحديث عن الأشوريين والبابليين والديناصورات، واصفاً هذا الأسلوب بـ "العلاك المصدي" الذي يهدف لرفع الحرج عن السلطة.
رابعاً: معضلة "الشرعية" ووزير الإرهاب السابق
يطرح معلوف تساؤلاً جوهرياً حول جدوى تمسك السوريين بقيادة لا تزال مصنفة دولياً أو "سابقاً" على قوائم الإرهاب:
وصمة الإرهاب:يؤكد معلوف أن صفة "إرهابي سابق" تلاحق أحمد الشرع في كل محفل دولي، وهي العائق الأساسي أمام إعادة الإعمار، رفع العقوبات الكلي، أو الحصول على اعتراف دولي كامل بالدولة الجديدة.
ضريبة الانتماء:يتساءل معلوف: "لماذا يتحمل 25 مليون سوري وزر تاريخ شخصين أو فصيل واحد؟"، مشيراً إلى أن الإصرار على تصدر هذه الشخصيات للمشهد يجعل سوريا رهينة لماضيها الجهادي.
خامساً: تدمير "الدولة" السورية مقابل رحيل الأسد
ينتقد التحليل بشدة السياسة التي اتبعتها هيئة تحرير الشام في التعامل مع مؤسسات الدولة بعد هروب الأسد:
عودة "الشبيحة" داخل المؤسسات ولكن بعباءة جديدة، وانتشار الفساد.
يؤكد معلوف أنه كان من الممكن الحفاظ على "هيكل الدولة" مع عزل القيادات المرتبطة بالأسد، بدلاً من هدم كل شيء والبدء من الصفر بعقلية "نموذج إدلب" الذي أثبت فشله.
سادساً: التورط في صراعات المحاور (النموذج اليمني)
يحذر معلوف من انجرار السوريين وراء "الاستقطاب الطائفي" في المنطقة، خاصة في الملف اليمني:
انتقد معلوف احتفاء بعض السوريين بتقدم القوات في اليمن على أساس "سني مقابل شيعي"، معتبراً ذلك تكراراً لنفس خطيئة إيران التي أدخلت البعد الطائفي في سوريا.
يرى أن مصلحة السوريين تكمن في قيام "دولة قانون" في اليمن وسوريا، وليس في الانتصار لمكون طائفي على آخر، لأن ذلك يثبت على سوريا تهمة الارتباط بمحاور إقليمية متصارعة.
سابعاً: الواقع المعيشي والانهيار الاقتصادي
يختتم معلوف تحليله برصد بوادر "إفلاس" حكومة الشرع:
غياب الخدمات الأساسية:مدارس بلا مدرسين، أزمة مياه، تراكم القمامة، ونقص حاد في السيولة.
فوضى الحقوق:محاولات العودة إلى قوانين "الإصلاح الزراعي" لعام 1958 تفتح الباب لصراعات أهلية وحروب على الملكيات التي تغيرت عبر عقود.
استثمارات وهمية:يؤكد معلوف أن كل وعود إعادة الإعمار والاستثمار ستبقى مجمدة طالما أن السلطة الحالية تفتقر للثقة الداخلية والدولية.