يقدم رئيس التحرير نضال معلوف، من خلال تحليله العميق للتطورات الأخيرة في سوريا، رؤية نقدية تربط بين تردي الأوضاع المعيشية والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب، معتبراً أن الجهل بالسياسات الدولية والافتقار إلى الشرعية التمثيلية يضعان البلاد على حافة كارثة وجودية. يتناول هذا التقرير المحاور الأساسية التي طرحها معلوف، بدءاً من أزمة رغيف الخبز وصولاً إلى التهديدات الجيوسياسية على الحدود.
الأزمة المعيشية و"سلفية" السياسات الاقتصادية
انطلق نضال معلوف في تحليله من واقعة ملموسة تمس حياة المواطن السوري اليومية، وهي تراجع وزن وعدد أرغفة ربطة الخبز. فبعد أن كان وزن الربطة 1800 غرام وتضم 14 رغيفاً، تراجعت لتصبح 1000 غرام و8 أرغفة فقط، مع بقاء السعر ثابتاً، مما أجبر العائلات على شراء كميات أكبر لتلبية احتياجاتها الأساسية.
مغالطة "الحكومة كحكم مباراة"
انتقد معلوف بشدة تصريحات السيد مازن ديروان (رئيس اتحاد غرف الصناعة والمستشار في وزارة الاقتصاد)، الذي شبه دور الحكومة بـ "حكم المباراة" الذي يكتفي بالصفارة ولا يتدخل في "اللعب" أو إنتاج الخبز والمازوت، داعياً إلى تبني مبدأ "دعه يعمل دعه يمر".
وصف معلوف هذا الطرح بـ "الجهل المطلق" و "السلفية الاقتصادية"، موضحاً الآتي:
- تعريف الجهل: هو ادعاء المعرفة في مجال معين مع عدم الإحاطة بتطوراته العلمية والتاريخية.
- انقراض النظريات القديمة: المبادئ التي يستند إليها ديروان تعود للقرن الثامن عشر (آدم سميث) وبدايات القرن العشرين، وهي نظريات "الرأسمالية المتوحشة" التي أدت إلى الكساد الكبير عام 1929.
- مفهوم "دولة الرفاه": أكد معلوف أن دول العالم الحديث (بما فيها الرأسمالية مثل أمريكا وبريطانيا) تجاوزت هذه المفاهيم منذ ثلاثينيات القرن الماضي، متبنيةً تقرير "بيفريدج" وقانون الضمان الاجتماعي لعام 1935.
مسؤوليات الدولة الاجتماعية (من المهد إلى اللحد)
يوضح معلوف أن وظيفة الدولة في العصر الحديث تتجاوز دور "الحكم"، لتشمل مسؤوليات حتمية هي:
- توفير الأمن الاقتصادي ومكافحة الفقر: حماية الفئات غير القادرة على العمل.
- الحد الأدنى الوطني للدخل: ضمان قدرة المواطن على شراء الأساسيات.
- الحماية من البطالة: تعويض المواطنين وتوفير فرص العمل.
- الرعاية الصحية وحماية الأمومة والطفولة.
|
المبدأ |
الطرح التقليدي (ديروان) |
المفهوم الحديث (نضال معلوف) |
|
دور الحكومة |
حكم مباراة (مراقب فقط) |
مسؤول عن الرفاه والأمن الغذائي |
|
الخبز والخدمات |
تجارة ربحية |
مادة استراتيجية ومسؤولية اجتماعية |
|
المرجعية الزمنية |
القرن الثامن عشر والتاسع عشر |
دولة الرفاه (ما بعد 1935) |
التوغل الإسرائيلي وأزمة الشرعية السياسية
انتقل معلوف لتحليل الخرائط الميدانية في جنوب سوريا، مشيراً إلى أن التوغل الإسرائيلي في مناطق مثل وادي اليرموك والقنيطرة ودرعا ليس مجرد حوادث عابرة، بل هو عملية "قضم" مبرمجة للأراضي.
غياب الردع والذرائع الإسرائيلية
يرى نضال معلوف أن إسرائيل تشرعن توغلها أمام المجتمع الدولي بحجة إنشاء "منطقة آمنة" لحماية أمنها من التنظيمات التي تصنفها "إرهابية". وهنا تبرز إشكالية السلطة الحالية (هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع/الجولاني):
- فقدان الشرعية الدولية: بما أن السلطة الحالية لم تأتِ عبر مسار انتقالي ديمقراطي يمثل كافة المكونات (علويين، دروز، مسيحيين، إلخ)، فإن إسرائيل تمتلك الذريعة لوصف أي تحرك بأنه "مواجهة مع إرهابيين".
- التناقض في الموقف الأمريكي: تساءل معلوف: إذا كان ترامب يثق بالشرع (كما يروج البعض)، فلماذا لا يُسمح لقواته بالانتشار في الجنوب السوري لمنع النفوذ الإيراني بدلاً من التوغل الإسرائيلي؟
الحل السياسي كأداة للمقاومة
أكد معلوف أن "المقاومة" الحقيقية اليوم لا تكون عبر "الفزعات" العشوائية التي قد تعطي إسرائيل ذريعة لمزيد من القصف والتهجير، بل عبر:
- الإسراع في الانتقال السياسي: تشكيل حكومة وطنية تمثيلية تمتلك شرعية داخلية ودولية.
- قطع الذرائع: وجود حكومة مدنية كفوءة يسحب البساط من تحت حجة "الخطر الإرهابي" التي تتذرع بها إسرائيل لقضم الأراضي.
الفشل الإداري والدولة الموازية
سلط رئيس التحرير الضوء على ظاهرة "الدولة الموازية"، حيث تسعى الجماعة الحاكمة لفرض أيديولوجيتها واحتكار السلطة بدلاً من الذوبان في مؤسسات الدولة الوطنية.
نموذج المعاناة البيروقراطية
استعرض معلوف تجربة أحد الطلاب في جامعة حلب، الذي استغرق ثلاث ساعات ونصف للحصول على "براءة ذمة" تتطلب توقيعين فقط، متنقلاً بين الطوابق والمكاتب المتباعدة. هذا الفشل الإداري هو انعكاس لـ:
- غياب الكفاءة: تعيين أشخاص بناءً على الولاء لا الخبرة.
- الاستعلاء على المواطن: التعامل مع المراجعين بدون احترام للوقت أو الكرامة.
مخاطر التكتلات الطائفية (الكونغرس المسيحي نموذجاً)
في رده على أسئلة المتابعين حول نشوء "كونغرس مسيحي"، حذر معلوف من أن تأطير المكونات السورية في كيانات سياسية ذات مسميات دينية في هذا التوقيت هو "كشف ظهر" لهذه المكونات، ويجعلها عرضة للاستهداف والتخوين من قبل المتشددين، مؤكداً أن الحل هو في "دولة المواطنة والقانون" التي تضم الجميع تحت هوية وطنية واحدة.
خلاصة التحليل
يخلص نضال معلوف إلى أن مصير سوريا اليوم معلق بين مطرقة "الجهل الاقتصادي" وسندان "اللا شرعية السياسية". إن الإصرار على سياسات اقتصادية منقرضة والاستمرار في عزل المكونات السورية عن القرار السياسي الحقيقي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار المعيشي والقضم الجغرافي.
الرسالة الختامية: إن الدولة السورية لن تستعيد سيادتها ولا رغيف خبز مواطنها إلا إذا توقفت السلطة عن اعتبار نفسها "جماعة فوق الدولة"، وباشرت فوراً بتشكيل إدارة تمثيلية حقيقية تقطع الطريق على المشاريع الخارجية وتضع "رفاه المواطن" كهدف أسمى فوق كل الاعتبارات الأيديولوجية أو الفصائلية. كما يشدد معلوف على أن المسؤولين الحاليين، وعلى رأسهم مازن ديروان، يجب أن يدركوا أن العلم قد تجاوز نظرياتهم، وأن الشعوب لم تعد تقبل بأن تُعامل كأرقام في تجارب اقتصادية






















