رؤية لبيب النحاس لتحديات المرحلة الانتقالية في سوريا: خارطة طريق لبناء الدولة

تواجه سوريا اليوم لحظة تاريخية فارقة تتجاوز في تعقيداتها مجرد السقوط الفيزيائي لنظام الأسد؛ فهي أمام استحقاق وجودي يتمثل في كيفية العبور الآمن من "حالة الثورة" إلى "بناء الدولة".

تواجه سوريا اليوم لحظة تاريخية فارقة تتجاوز في تعقيداتها مجرد السقوط الفيزيائي لنظام الأسد؛ فهي أمام استحقاق وجودي يتمثل في كيفية العبور الآمن من "حالة الثورة" إلى "بناء الدولة".

إن الفارق الاستراتيجي بين إسقاط سلطة مستبدة وإرساء دعائم مؤسسات وطنية هو الفارق بين الاستقرار المستدام والفوضى المتجددة. في هذه الرؤية، يطرح السياسي لبيب النحاس مقاربة نقدية وفلسفية للمرحلة الانتقالية، مستنداً إلى تجربة سياسية خاضها في غرف التفاوض الدولية، ودفع ثمنها محاولات اغتيال وتسميم، ليؤكد أن المرحلة الانتقالية هي عملية "تكوين" حساسة تتطلب وعياً يتجاوز لغة السلاح.

جوهر المرحلة الانتقالية: فلسفة "التواضع السيادي"

ينطلق النحاس من ضرورة التفريق الجوهري بين "الدولة" ككيان جامع ومؤسسات مستدامة، وبين "السلطة" كجهة مديرة للمرحلة. ويرى أن السوريين ينحازون بالفطرة لمفهوم الدولة، لكنهم قد يختلفون مع ممارسات السلطة الحالية.

دروس من التاريخ لقاء الـ CIA عام 2015 : يتشهد النحاس بلقاء جمعه برئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في أنقرة عام 2015، حيث أُبلغت المعارضة حينها بأن النظام يترنح وقد يسقط خلال أسابيع.

لكن "خطاب المزاودات" والانقسام الداخلي أضاع تلك الفرصة التاريخية، مما سمح بالتدخل الروسي لاحقاً.

العبرة هنا أن غياب الرؤية الموحدة هو ما يمنح الخارج فرصة التدخل.

مفهوم "السلطة الراعية": يجب على السلطة الحالية أن تتبنى "تواضعاً سيادياً"، معتبرة نفسها سلطة تصريف أعمال (Caretaker) لإدارة المرحلة، مع الاعتراف بأن القضايا السيادية الكبرى (كالهوية والدستور الدائم) لا يُحسم فيها إلا عبر برلمان منتخب، لضمان عدم استنساخ الاستبداد.

مأسسة الثورة: يكمن الخطأ في إعلان "انتهاء الثورة" بمجرد سقوط النظام. الثورات لا تنتهي بمرسوم، بل يجب أن تتحول قيمها العضوية إلى ممارسات داخل الدولة:

المواطنة: الانتقال من مفهوم "الرعايا" إلى "المواطنين" المتساوين.

الكرامة: تحويل المؤسسات من أدوات قمع إلى أدوات لخدمة كرامة الإنسان.

المأسسة: بناء هياكل شفافة لا ترتبط بفصائل أو أشخاص.

الاختبارات الميدانية: دروس "السويداء" و"قسد"

اعتبر النحاس أن تعامل السلطة مع ملفي الجنوب والشمال السوري يمثل "اختبارات كفاءة" كشفت عن ثغرات عميقة في الإدراك السياسي.

كارثة السويداء السياسية: يصف النحاس ما حدث في السويداء بأنه فشل في قراءة الخطوط الحمراء الدولية، وتحديداً سوء فهم مخرجات "لقاء باكو" المتعلق بالهواجس الإسرائيلية في الجنوب.

هذا العجز عن تقديم نموذج "الدولة الاحتوائية" أدى لشرخ مجتمعي قد يحتاج أجيالاً لإصلاحه.

ملف "قسد": فجوة الدبلوماسية: بينما نجحت السلطة في كسر قواعد اللعبة عسكرياً، فشلت في مجاراة ذلك إعلامياً ودبلوماسياً في واشنطن.

السياسة الخارجية: بين "البراغماتية" والتبعية

يحذر النحاس من تحول سوريا إلى "دولة وظيفية استبدادية ضعيفة" تخدم أجندات القوى الدولية مقابل شرعية هشة.

العلاقة مع روسيا: يرى النحاس أن الانفتاح السريع على موسكو يفتقر للحنكة، ويجب أن يراعي "الجرح الوطني" للشعب الذي تضرر من الإجرام الروسي. السياسة لا تعني النسيان، بل تحصيل مكاسب سيادية قبل التطبيع الكامل.

التعويضات والضمانات السيادية: يستحضر النحاس تجارب فيتنام (مع أمريكا) والكويت (مع العراق) واليابان، للتأكيد على أن الدول التي تحترم سيادتها لا تطبّع علاقاتها إلا بعد ضمان تعويضات واضحة وضمانات سيادية، وهو ما يجب تمثله في التعامل مع قوى الاحتلال السابقة.

مفاوضات "المدن الأربعة" (مضايا والزبداني): استعرض النحاس هذه التجربة كمثال على "السياسة الثائرة" التي توازن بين استنقاذ الأرواح ومنع التغيير الديموغرافي الإيراني.

ويؤكد أن العمل السياسي في سوريا هو مخاطرة حقيقية؛ فحادثة "تسميمه" عام 2016 عقب مفاوضات مع الروس تثبت أن السياسي الثائر يحمل حياته على كفه تماماً كالمقاتل في الجبهة.

النسيج المجتمعي: الأغلبية كصمام أمان

في سوريا الجديدة، يجب أن تعود الأغلبية السنية لممارسة دورها، ليس كفكر إيديولوجي إقصائي، بل كمكون مجتمعي واقتصادي يملأ "الفراغ الوظيفي" الذي تركه النظام.

السنة كمثبت اقتصادي: يرى النحاس أن الأغلبية السنية، وبحكم ثقلها في الطبقة الوسطى والنشاط الاقتصادي، هي القوة الوحيدة القادرة على تحقيق الاستقرار المجتمعي، شريطة أن تُطمئن الأقليات عبر ممارسات فعلية على الأرض.

ملف الطائفة العلوية: يقع على عاتق الأقليات، وخاصة العلوية، مسؤولية التبرؤ الصريح من إرث نظام الأسد والمساهمة في بناء ثقافة وطنية جديدة، لتجنب التحول إلى أداة في يد القوى الخارجية التي تستثمر في "فوبيا الأقليات".

العدالة الانتقالية: لا يمكن بناء سلم أهلي بشعارات جوفاء؛ بل بمسار عدالة انتقالية يتسم بالمكاشفة والوضوح، لضمان عدم انتقال العداوات إلى الأجيال القادمة.

محاذير التكوين: فخ "الثقافة البعثية" المستترة

يختتم النحاس رؤيته بتحذير شديد من "تسرب الثقافة البعثية" (المحسوبية، الفساد، حكم الحزب الواحد) إلى أجهزة الدولة الجديدة. ويصف هذه الثقافة بأنها "مرض ذاتي" زرعه النظام لإضعاف مناعة الثورة، مما يهدد بإنتاج استبداد بوجوه جديدة.

استعارة "التصميم الهندسي": يشبه النحاس بناء الدولة بـ "التصميم الهندسي" للنظم المعقدة.

ففي الهندسة، تعتبر الأخطاء في "مرحلة المتطلبات - أي في البدايات وتحديد الأهداف- هي الأغلى ثمناً والأصعب في التصحيح.

إذا فُهمت "متطلبات" الشعب السوري بشكل خاطئ في هذه المرحلة، فإن أي "برمجة" (حكومة أو قوانين) لاحقة لن تعالج الخلل الهيكلي الأساسي، وسندخل في "حلقة مفرغة" تنتهي بنهاية سيئة.

ثلاث نصائح ذهبية للسلطة الانتقالية:

الشفافية كدرع حماية: الصدق مع المجتمع حول سقف القدرات يحمي السلطة من تآكل الثقة.

قبول النقد كأداة تصحيح: النقد ليس هجوماً، بل هو وسيلة لتطوير الأداء ومنع الانحراف.

سوريا أمانة لا غنيمة: التعامل مع مقدرات الدولة كمسؤولية وطنية تاريخية، لا كمكاسب فصائلية.

إن بناء الدولة السورية اليوم هو "فن المستحيل" الذي يحتاج إلى تكاتف وطني واعٍ، لضمان ألا تذهب تضحيات ملايين السوريين سدى، ولتكون الدولة الجديدة حقاً لكل السوريين، لا مجرد استبدال لراية براية.

 


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close