مستقبل الدولة السورية في مواجهة الفكر السلفي وشبكات المصالح

يقدم هذا اتقرير تحليلاً معمقاً للطروحات التي قدمها رئيس التحرير نضال معلوف في تسجيله الأخير، والذي تناول فيه الصراع الوجودي بين مفهوم الدولة المدنية والسلفية الجهادية في سوريا، مسلطاً الضوء على التحديات الراهنة التي تواجه المجتمع السوري في مرحلة انتقالية حرجة.

الجدلية بين السلفية ومفهوم الدولة الحديثة

يؤكد رئيس التحرير نضال معلوف أن الإشكالية مع السلفية لا تكمن في كونها عقيدة دينية فحسب، بل في كونها تمثل "خطرًا وجوديًا" على الحريات الشخصية والمنظومة السياسية. وتتمحور هذه الإشكالية حول عدة نقاط جوهرية:

  • مبدأ الغلبة والخضوع: يرى معلوف أن السلفية تعتمد منطق القوة لفرض نمط محدد من الحياة يناسب عقيدتها، وهو مبدأ يتناقض كلياً مع مفهوم الحكم المعاصر القائم على المشاركة والعقد الاجتماعي.
  • الإقصاء الممنهج: تضع السلفية نفسها فوق القانون، وتصنف المواطنين بناءً على العقيدة بدلاً من الحقوق والواجبات، مما يؤدي إلى نظام ديكتاتوري متشدد يستفرد بالقرار.
  • العداء للتطور الإنساني: يبرز التسجيل أن السلفية تضيق على الفنون، الموسيقى، والذاكرة التراثية، وترفض التعددية، مما يعيق تقدم الدولة ونشاطها المجتمعي.

استراتيجية التعامل مع التيار السلفي

يوضح نضال معلوف أن المعركة مع السلفية لا ينبغي أن تكون "لاهوتية" أو محاولة لتغيير معتقدات أفرادها، بل يجب أن تتركز على "عدم التمكين". وتتلخص هذه الاستراتيجية في:

  1. تجنب السجال الديني: يرى رئيس التحرير أنه من العبث محاولة إقناع السلفي بخطأ عقيدته في قضايا مثل "تحريم الموسيقى" أو "الاختلاط".
  2. التركيز على المجال السياسي: المهمة الأساسية هي منع السلفية من الاستحواذ على مفاصل الدولة أو الوصول إلى السلطة، لأنهم حكماً سيفرضون نمطهم الخاص بفعل منطق القوة.
  3. تبني الديمقراطية كعلم: يدحض معلوف حجة أن الديمقراطية "فرض غربي"، معتبراً إياها نتاجاً للعلوم الإنسانية والتجربة البشرية، تماماً مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا يجوز قبول نتاج الغرب التقني ورفض نتاجه في علوم الحكم والاجتماع.

وجه المقارنة

دولة القانون (المنشودة)

السلطة السلفية (المحذّر منها)

أساس الحكم

المشاركة والعقد الاجتماعي

الغلبة والقوة والإخضاع

تصنيف المواطنين

الحقوق والواجبات المتساوية

التصنيف بناءً على العقيدة

الحريات الشخصية

محمية بموجب القانون للجميع

مقيدة وتابعة لوصاية دينية

المرجعية

المؤسسات وفصل السلطات

شخص واحد أو "أهل الحل والعقد"

 

اختراق شبكات المصالح والفساد (حالة محمد حمشو)

كشف نضال معلوف عن معطيات وصفها بالخطيرة تتعلق بتغلغل رجال أعمال النظام السابق في المشهد الحالي. وأشار إلى أن المدعو "محمد حمشو" (المرتبط بماهر الأسد) ظهر كممول رئيسي وداعم لحملات تبرع مثل "فزعة أهل الشام" في عربين.

  • الخطر المالي: يرى معلوف أن اعتماد الإدارة الحالية على أموال شبكات الفساد والكبتاغون يعني عودة هذه الشبكات لممارسة نفوذها تحت غطاء جديد، مما يعزز الاستبداد.
  • التحالف البرغماتي: يحذر رئيس التحرير من تحالف محتمل بين السلفية وشبكات المصالح القديمة لترسيخ حكم استبدادي يتجاوز الشعارات الأيديولوجية من أجل البقاء في السلطة.

تآكل الهامش الإعلامي والحقوقي

رصد رئيس التحرير مؤشرات مقلقة تدل على استنساخ أدوات القمع السابقة في البيئة الحالية، ومن أبرزها:

  • قضية معاذ محارب: أثار معلوف تساؤلات حول الغياب المفاجئ للإعلامي معاذ محارب وتوقف برنامجه "على الطاوله"، معتبراً الصمت الرسمي حول هذا الغياب مؤشراً على تضييق الهامش الإعلامي والتدخل في العمل الصحفي.
  • تكميم الأفواه: استشهد بواقعة استبعاد اللاعب "عمار رمضان" من المنتخب كعقاب له على انتقاد ظروف الإقامة، وهو ما اعتبره ممارسة استبدادية تهدف إلى إيصال رسائل ترهيب.
  • الانفلات القيمي والأمني: أشار معلوف بمرارة إلى حادثة "نبش القبور" في بعض المناطق، معتبراً إياها ذروة الانحطاط الأخلاقي ومؤشراً على عجز السلطة عن ضبط السلاح المنفلت ومنع الاستفزازات الطائفية.

الخلاصة: الطريق نحو سوريا المدنية

ينهي نضال معلوف تحليله بالتأكيد على أن الحل الوحيد لحماية جميع المكونات، بما في ذلك السلفيين أنفسهم، هو إقامة "دولة القانون". إن دولة القانون هي الوعاء الذي يحتوي التنوع ويضمن كرامة الإنسان، بينما الحكم القائم على العقيدة سيؤدي حتماً إلى صراعات وجودية لا تنتهي.

ويشدد رئيس التحرير على أن المعركة الحقيقية اليوم في سوريا هي بين "العلم والجهل"، وبين من يريد الانتماء للعصر الحديث ومن يريد العودة إلى مفاهيم تجاوزها الزمن، مؤكداً أن السوريين مطالبون بتقوية المجتمع المدني والوعي السياسي لإفشال مشاريع الإخضاع أياً كان مصدرها.

 


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close