يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً للرؤية التي طرحها الإعلامي نضال معلوف حول المقابلة الأخيرة لأحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني)، مع قناة "المشهد". يتناول التقرير دلالات هذا الظهور، والتحول الأيديولوجي والسياسي للرجل، وانعكاسات ذلك على المشهد السوري العام.
واقع الصحافة السورية: من "العلامة" إلى "البوق"
يشير نضال معلوف إلى فجوة عميقة بين تاريخ الصحافة السورية وحاضرها. فبينما تأسست الصحافة السورية على يد مفكرين وباحثين من الطراز الرفيع، تعيش اليوم حالة من التشويه والسطحية.
مقارنة تاريخية بين جيلين من الإعلاميين
|
وجه المقارنة |
الصحافة التقليدية (النشأة - السبعينيات) |
الصحافة المعاصرة (الحالية) |
|
أبرز الأعلام |
محمد كرد علي، منير الريس، نصوح بابيل، عبد الغني العطري. |
"إعلاميون ثوريون" و"صناع محتوى" يفتقرون للعمق. |
|
المؤهلات |
مفكرون، باحثون، وعلماء في تخصصاتهم. |
"شتامون"، يفتقرون للثقافة العامة، وخطابهم سطحي. |
|
الدور |
بناء الوعي المجتمعي وإدارة أدوات الدولة. |
أبواق حزبية، ممارسة "الاغتيال المعنوي"، والتبعية للجهات الممولة. |
|
الاستقلالية |
حد أدنى من الأكاديمية حتى في عهد الحزب الواحد. |
غياب تام للموضوعية؛ العمل كأدوات استقطاب للأطراف المتصارعة. |
يؤكد معلوف أن "الإعلامي الثوري" في المفهوم الحالي هو مجرد "إعلامي حزبي" ناطق باسم جهة معينة، مما أفقد الصحافة دورها في النقد البناء والبحث العلمي.
أحمد الشرع: من "الخلافة العابرة للحدود" إلى "رجل الدولة التقليدي"
يركز نضال معلوف على التحول الدراماتيكي في شخصية أحمد الشرع وخطابه، معتبراً أن ما يجري هو عملية "تدجين" كاملة للمشروع الجهادي السلفي لصالح الدول الغربية والإقليمية.
التناقض بين "الجولاني 2015" و"الشرع 2024"
يستعرض مقارنة بين تصريحات الشرع السابقة (مع أحمد منصور عام 2015) وتصريحاته الأخيرة:
- الموقف من الحكام العرب: في 2015، وصفهم بـ "الطواغيت" المدافعين عن عروشهم والمخالفين للشرع. في 2024، يتفاخر باعتماده على علاقاته مع قادة مثل محمد بن سلمان، محمد بن زايد، والشيخ تميم، معتبراً أنهم ثبتوا حكمه.
- المشروع السياسي: كان يطالب بإعادة "دولة الخلافة" وهدم الحدود والبرلمانات. اليوم، يتحدث بلغة "العلوم السياسية"، والاقتصاد، والحلول السياسية، والجلوس على الطاولة مع القوى العالمية.
- الوسيلة (الجهاد ضد السياسة): كان يرى أن "الجهاد هو سبيلنا" وأن السلمية والمفاوضات "انحراف عن الجادة". اليوم، يرتدي البدلة الرسمية (الكرافات) ويتحدث عن "الحوار أولاً وثانياً وعاشراً".
- الموقف من القوى الدولية: في 2019، وصف الروس بالمجرمين والمحتلين. اليوم، يسعى لتوطيد سلطته عبر التفاهمات معهم، ولم تعترض روسيا على رفع صفة الإرهاب عنه في مجلس الأمن.
دلالات "الانتصار" الغربي على السلفية الجهادية
يرى معلوف أن ظهور أحمد الشرع بهذا المظهر هو إعلان انتصار للمشروع الغربي في سوريا. هذا الانتصار لا يتمثل في القضاء الجسدي على الجهاديين، بل في استنزافهم وتغيير جيناتهم السياسية.
- قطع الشريان الجهادي: تحويل سوريا من منطلق للجهاد العابر للحدود إلى "مقبرة" لهذه الأيديولوجيا، حيث تم حصر الحركة في إطار "الدولة الوطنية" والمصالح الإقليمية.
- التجريد من القوة: تم تجريد الشرع من "قوة الغموض" والسرية والعمليات المفاجئة، ووضعه تحت المجهر الاستخباري كمسؤول حكومي يمكن الوصول إليه بـ "كبسة زر" عبر الطائرات المسيرة أو الجيوسينك.
- الإغراق في المكاسب: تم إغراق القادة الجهاديين في ملذات السلطة (قصور، سيارات فارهة، حراسات، ومظاهر بذخ)، مما أفقدهم القدرة على العودة لحياة الجبال والمواجهة.
سوريا كساحة تجارب: الكلفة الإنسانية والمؤسساتية
ينتقد نضال معلوف بشدة استخدام السوريين كـ "فئران تجارب" لدرء خطر السلفية الجهادية عن العالم، مؤكداً أن هذا النجاح في "التدجين" جاء على حساب دمار شامل للدولة والمجتمع.
- تفتيت المجتمع: أدت إطالة أمد الصراع لخدمة هذه التجربة إلى خلق شروخ مجتمعية عميقة ومطالبات بالانفصال بين المكونات السورية.
- هدم المؤسسات: تم تسليم مفاصل الدولة لأشخاص "هواة" ومتحولين جدد يفتقرون للخبرة والشهادات الأكاديمية والقدرة البيروقراطية على إدارة بلد مدمر.
- الإقصاء المتعمد: تم تغييب الكفاءات الوطنية والنخب السياسية والعلمية السورية لصالح "السلفيين المتحولين"، مما أدى إلى غياب أي رؤية وطنية حقيقية لإعادة الإعمار.
صراع النفوذ والملف اللبناني: قراءة في تصريحات ترامب
يشير معلوف إلى محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام أحمد الشرع كأداة في الصراع الإقليمي ضد إيران وحزب الله.
- سردية الصراع القادم: يرى أن دفع الشرع لمواجهة حزب الله هو "فخ" جديد يهدف لاستنزاف ما تبقى من قوى في سوريا.
- استحالة المواجهة العسكرية: واقعياً، لا تملك هيئة تحرير الشام القدرة العسكرية لمواجهة حزب الله أو الحشد الشعبي. وأي مغامرة من هذا النوع ستؤدي إلى رد فعل قاسي من إيران وحلفائها داخل الجغرافيا السورية.
- تفضيلات الدول الإقليمية: يطرح نضال معلوف تساؤلاً جوهرياً حول من هو الأخطر على الأنظمة العربية: "إيران (الدولة الثورية)" أم "السلفية الجهادية (التي تسقط الأنظمة وتكسر الحدود)؟". ويرى أن الأنظمة العربية، رغم عدائها لنفوذ إيران، قد تفضل التعامل مع "دولة" (إيران) على التعامل مع نموذج "ناجح" لسلفية جهادية وصلت للسلطة، خوفاً من انتقال هذا النموذج إلى داخل حدودها.
الخلاصة: مستقبل العمل السياسي السوري
يختتم نضال معلوف بالتأكيد على أن قضية سوريا أكبر من شخص أحمد الشرع. ويشدد على ضرورة تحرك السوريين لبناء أسس العمل السياسي المستقل.
التوصيات المستقاة من التحليل:
- عدم الانتظار: لا يجب ربط التحرك الوطني برحيل الشرع أو غيره، بل البدء الفوري في بناء "حالة تمثيلية" سورية.
- بناء المؤسسات المدنية: تشكيل أحزاب، تيارات، ونقابات قادرة على التعبير عن إرادة السوريين أمام المجتمع الدولي.
- الوعي بالقرار الخارجي: إدراك أن القرار الدولي يأخذ بعين الاعتبار القوى الموجودة على الأرض؛ فإذا كانت الأرض فارغة من الكفاءات الوطنية، فسيستمر فرض "الهواة" والجهاديين السابقين كممثلين للشعب.
"نحن في سوريا كنا ضحية لتجربة بيولوجية سياسية؛ تم فيها تحويل فيروس خطير إلى حالة أقل ضرراً، ولكن الثمن كان تدمير جسد الدولة السورية بأكمله."





















