كيف تنتزع القوى المدنية تنازلات من السلطة المسلحة؟

 يقدم  رئيس التحرير نضال معلوف في تسجيله الأخير، والذي تناول فيه المشهد السوري المعقد، مستعرضاً الفجوة المتزايدة بين السلطة والواقع الشعبي، وكيفية تبلور نماذج جديدة للمقاومة المدنية السلمية في مواجهة تغول القوى المسلحة. مغالطة "الرئيس الذي يتعلم": الكلفة والنتائج

ناقش نضال معلوف التعليقات التي تلت مقابلة "الرئيس الشرع" (بشار الأسد) الأخيرة، منتقداً الفكرة التي روج لها البعض بأن أهم ما ورد فيها هو "إدراك الرئيس للأخطاء والتعلم منها". واعتبر معلوف أن هذه الحجة غير مقبولة في سياق قيادة الدول لعدة أسباب:

انعدام المؤسسات: في الدول الديمقراطية، التعلم له ثمن تضبطه المؤسسات، فصل السلطات، والمعارضة، بينما في الأنظمة الاستبدادية، يكون الثمن هو فناء الشعب وتفتت الدولة. عامل الزمن: لا يمكن انتظار رئيس ليتم رحلة تعلمه بعد عقود في السلطة بينما يذهب المجتمع نحو الجحيم. التقييم بالنتائج: أكد معلوف أن تقييم أي مسؤول يجب أن يستند إلى النتائج الملموسة على حياة الفرد السوري، وليس على "الكاريزما" أو الصفات الشخصية أو "التعلم" المفترض. الواقع الخدمي: صرخة ريف حماة وانهيار حمص

استعرض التقرير شهادات ميدانية من شخصيات محسوبة على بيئة الإدارة الحالية، لتوضيح حجم المعاناة بعيداً عن الاستقطاب السياسي:

1. ريف حماة الشمالي (شهادة الناشط باسل القاسم):

بعد مرور سنتين على ما يسمى "التحرير"، يواجه السكان واقعاً كارثياً يتمثل في:

غياب كامل للخدمات الأساسية (مياه، كهرباء، صرف صحي). وعود كاذبة من المسؤولين الذين يزورون المنطقة برفقة الإعلاميين دون تنفيذ أي مشروع. اضطرار السكان لشراء صهاريج المياه بأسعار باهظة (10-15 دولاراً) في ظل حرارة مرتفعة، بينما يعيش الكثيرون تحت "العوازل الزرقاء" (الخيام) منذ سنوات. 2. حمص والواقع الصحي (شهادة السيد أمير عبد الباقي):

سلط الضوء على التباين الطبقي الحاد والخذلان الدولي:

الفقر والمرض: وصف الحالة المأساوية في أقسام الأورام، حيث تموت العائلات لعدم قدرتها على شراء الدواء، مقابل مظاهر بذخ فاحش لفئات بنت ثرواتها على تهجير السوريين. انعدام الدعم الخارجي: أكد أن سوريا لم تتلقَ دعماً حقيقياً من أي دولة عربية أو أجنبية، وأن المساعدات كانت شكلية ولم تحدث فرقاً في حياة الناس.

 

 

نموذج "عين منين": تنظيم المجتمع في مواجهة السلاح

اعتبر نضال معلوف أن تجربة بلدة "عين منين" تمثل نموذجاً رائداً في كيفية انتزاع الحقوق مدنياً. تخلصت التجربة في النقاط التالية:

التحرك السلمي: وقف الأهالي ضد محاولة التعدي على حصص المياه وحفر آبار غير قانونية مدعومة من متنفذين. التصعيد المنظم: رغم اعتقال العشرات واعتداء القوات الأمنية (هيئة تحرير الشام) على المحتجين، لجأ الأهالي لإغلاق المحلات والاحتجاج المدني. الموقف الشجاع لرئيس المجلس المحلي: أعلن رئيس مجلس مدينة عين منين استقالته الجماعية مع أعضاء المجلس على الهواء مباشرة، رافضاً العمل في ظروف تُهدر فيها حقوق الناس، مما أحرج السلطة وأجبرها على التراجع والإفراج عن المعتقلين.

عنصر النجاح في عين منين

الوصف

التنظيم المحلي

وجود مجلس يمثل المجتمع ويؤطر مطالبه.

تحديد الأولويات

الدفاع عن مصالح حيوية (المياه) بشكل جماعي.

الضغط السياسي

استخدام الاستقالة والاضراب كأدوات سلمية محرجة للسلطة.

"إدارة الجماعة" مقابل "إدارة الدولة"

حلل معلوف نمط الحكم الحالي، واصفاً إياه بـ "إدارة الجماعة" (هيئة تحرير الشام/الجماعة الحاكمة) التي تختلف جذرياً عن مفهوم الدولة:

الهدف: تحصيل أكبر قدر من "الغنائم" والمكاسب الشخصية والمناصب، وليس تقديم الخدمات العامة. التكسب: ينظر المسؤولون إلى الخدمات العامة كـ "دكان" للربح، حيث تذهب الموارد لتقوية الجماعة عسكرياً وأمنياً بدلاً من إعمار الاقتصاد. التحالف الليبرالي الزائف: استعانت الجماعة بشخصيات من القطاع الخاص لتسويق سياساتها تحت مسمى "التجارة الحرة"، لتنصل السلطة من مسؤولياتها الاجتماعية. مجلس الشعب: استنزاف السلطة التنفيذية

حول قضية مجلس الشعب والبرلمان، أوضح معلوف رؤيته الاستراتيجية:

مجلس شورى لا برلمان: استدعاء الرئيس لأعضاء مجلس الشعب لمقابلته يكرس فكرة "مجلس الشورى" التابع للسلطة التنفيذية، وليس السلطة التشريعية المستقلة التي يجب أن يحضر الرئيس أمامها. إضعاف السلطة: رغم تبعية أعضاء المجلس، إلا أن وجود أي أصوات معارضة أو جدل حول القوانين يساهم في "استنزاف" السلطة التنفيذية وتقليص هيمنتها المطلقة، مما قد يمهد للتغيير السياسي مستقبلاً. التحشيد العسكري والمخاطر الإقليمية

حذر رئيس التحرير من "الطنبرة" الإعلامية (التضخيم) التي تروج لقدرة "الشرع" العسكرية على الدخول في حلف لمواجهة الحشد الشعبي في العراق أو التدخل في لبنان:

التبعية لا السيادة: اعتبر معلوف أن أي مغامرة عسكرية خارج الحدود هي تنفيذ لأوامر خارجية وليست لمصلحة سوريا، وستؤدي لنقل الصراع والدمار إلى الداخل السوري. الميزان الديموغرافي: حذر من الاستهانة بالقوى الإقليمية (مثل القاعدة الشعبية للشيعة في العراق)، مؤكداً أن الزج بسوريا في حروب طائفية إقليمية هو انتحار جماعي. الخاتمة: حماية المجتمعات بالعمل المدني

خلص نضال معلوف إلى أن الحل الوحيد المتاح للسوريين في ظل انعدام الأمل في السلطة الحالية هو "تنظيم المجتمعات المحلية". ودعا السوريين إلى عدم الاكتفاء بالمناشدات الفردية، بل الاقتداء بنموذج "عين منين" وقطاعات المعلمين المضربين، لتشكيل مجالس تمثيلية قوية تدافع عن مصالح السكان وتحد من تغول السلطة المسلحة، بانتظار مرحلة انتقالية حقيقية تبني دولة المؤسسات والقانون.

 

05.08.2026 15:11