الخطاب الديني والسياسي في سوريا: السلطة الانتقالية ومخاطر الانهيار

يقدم رئيس التحرير  نضال معلوف قراءة نقدية معمقة للواقع السوري الراهن، مركزاً على سلوك السلطة الانتقالية بقيادة "أحمد الشرع" (المعروف بالجولاني)، ومحللاً التحولات في الخطاب الديني والسياسي وتأثيراتها على مستقبل الدولة السورية. يتناول التحليل التناقض الصارخ بين المظاهر الدبلوماسية في الخارج والواقع المؤسساتي والخدمي المتردي في الداخل، محذراً من تحول الخطاب الديني من أداة للسيطرة إلى صاعق تفجير قد يجر البلاد إلى صراعات إقليمية مدمرة.

 

معضلة "الرئيس الانتقالي" والشرعية المنقوصة

يرى نضال معلوف أن هناك مشكلة جوهرية في تأطير عمل السلطة الحالية؛ حيث يتصرف "الرئيس الانتقالي" أحمد الشرع كأنه رئيس دائم لدولة مستقرة ومنتخبة، وهو أمر يصفه معلوف بـ "الكارثي".

الزيارات الخارجية والمجد الشخصي: يشير معلوف إلى أن زيارات الشرع الأخيرة إلى بريطانيا وألمانيا، وقبلها فرنسا والولايات المتحدة والسعودية، لم تنعكس بأي فائدة ملموسة على الشعب السوري أو الدولة. ويرى أن هذه التحركات تهدف لتحقيق "مجد شخصي" واعتراف خارجي يتجاوز حقيقة كونه رئيساً لمرحلة انتقالية. غياب السفراء كمعيار للسيادة: يطرح معلوف تساؤلاً جوهرياً حول عجز السلطة عن تعيين سفير واحد في أي دولة في العالم، بما في ذلك الدول التي زارها الشرع. ويؤكد أن الدول تتعامل مع الشرع كـ "رئيس منقوص الصلاحيات" في دولة "منقوصة السيادة"، حيث تكتفي الدول بقبول قناصل أو مستشارين، وترفض اعتماد أوراق سفراء، مما يثبت أن الشرعية الدولية لم تكتمل بعد.

احتكار الموارد و"أدلجة" مؤسسات الدولة

يكشف معلوف عن نهج ممنهج تتبعه سلطة الشرع للسيطرة على كافة مفاصل الاقتصاد والإدارة في سوريا، واصفاً هذا السلوك بأنه يتنافى مع مهام السلطة الانتقالية التي يجب أن توسع المشاركة لا أن تحتكرها.

جدول: الهيئات والقطاعات التي تمت سيطرة الرئاسة الانتقالية عليها

الهيئة / القطاع

الإجراء المتخذ

الهدف / النتيجة

الهيئة العامة للإمداد والتوريد

نقلت صلاحيات جميع الوزارات إليها

احتكار توفير احتياجات الجهات العامة

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك

وضعها تحت إشراف الرئاسة المباشر

السيطرة على الموارد المالية الحدودية

قطاع الطيران والنقل الجوي

تحويله لهيئة مرتبطة بالرئاسة

التحكم في حركة الملاحة الجوية

هيئة الاستثمار السورية

ربطها بالأمانة العامة للرئاسة

احتكار قرار الاستثمار الخارجي والداخلي

المجلس الأعلى للتنموية الاقتصادية

السيطرة عليه من قبل الرئاسة

توجيه السياسات الاقتصادية مركزياً

الشركة السورية للبترول

وضع اليد عليها مباشرة

احتكار الموارد النفطية

العمل الإغاثي والإنساني

اشتراط موافقة مديرية التعاون الدولي بالخارجية

تهميش وزارة الشؤون الاجتماعية وسحب الملف من الهلال الأحمر

ويؤكد معلوف أن هذا الاستحواذ شمل حتى العمل الإنساني، حيث أصدرت مديرية في وزارة الخارجية (تابعة للشيباني) قراراً يمنع أي وزارة من توقيع عقود مع جهات مانحة دون التنسيق معها، مما أدى إلى صراعات داخلية بين الوزارات وتعطيل العمل على الأرض.

 

 

خديعة الاستثمار والموقع الجيوسياسي

ينتقد معلوف بشدة خطاب السلطة حول جذب الاستثمارات الأجنبية، واصفاً إياه بـ "الهراء" لعدة أسباب:

غياب الاستقرار المستدام: الاستثمار يتطلب عقداً اجتماعياً وحلاً سياسياً شاملاً وانتخابات، وهي أمور غير متوفرة في ظل سلطة انتقالية. الموقع الجيوسياسي كنقمة: يرى معلوف أن موقع سوريا المتميز يتحول في حالات عدم الاستقرار من "نعمة" إلى "نقمة"، حيث تصبح البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية (تركيا، إسرائيل، دول الخليج) بدلاً من أن تكون جسراً اقتصادياً. الفشل الاقتصادي: منذ استلام السلطة الحالية، لم تتحسن معيشة السوريين، بل تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي وارتفعت فواتير الكهرباء والأسعار بشكل جنوني.

الخطاب الديني: مخاطر "الأدلجة" والتحريض

يتوقف معلوف عند ظاهرة المظاهرات والوقفات التي خرجت مؤخراً بخطاب ديني تحت شعار نصرة غزة وفلسطين، محذراً من تداعياتها الخطيرة:

خلق ذريعة لإسرائيل: يرى معلوف أن تصدير سوريا كبيئة ذات خلفية "جهادية" أو "أيديولوجية" يتخطى مفهوم الدولة والحدود، يعطي إسرائيل المبرر والشرعية الدولية لضرب سوريا أو إقامة مناطق عازلة بدعوى حماية أمنها من "خطر قائم". تآكل السلطة المركزية: يشير خروج هذه المظاهرات، وتحريض بعض قادة الفصائل (مثل أبو مالك التلي) بخطاب يتجاوز توجيهات المركز، إلى وجود "مراكز قوى" متعددة داخل سلطة الشرع، مما يدل على حالة من التفكك والقرار غير الموحد. الخطاب الدعوي كأداة حكم: يحذر معلوف من استبدال مؤسسات الدولة وقوانينها بالخطاب الدعوي، لأن ذلك ينقل الالتزام من حيز القانون إلى حيز الالتزام الشخصي والديني، وهو ما يجعل الفرد في مواجهة مع القانون إذا تعارضت الرؤى الدينية مع سياسات الدولة.

القوى الدولية واستراتيجية "منع الانفجار"

يفسر معلوف سر دعم دول مثل بريطانيا وألمانيا للشرع رغم معرفتها بنقاط ضعفه:

الاستقرار مقابل الديمقراطية: هذه الدول لا تهمها الديمقراطية في سوريا بقدر ما يهمها "منع الانفجار" وتدفق اللاجئين. هي تبحث عن "سلطة أمر واقع" مطواعة أمنياً تضمن الحد الأدنى من الهدوء. اختبار القدرة: يرى معلوف أن الزيارات والتحركات الحالية قد تكون "اختباراً أمنياً" للشرع لقياس مدى قدرته على ضبط الفصائل والمجتمع وتدجين الخطاب المتطرف.

الرؤية المستقبلية: معركة الوعي وبناء التيار الوطني

يختتم نضال معلوف رؤيته بالتأكيد على أن الخلاص لن يأتي من "البناديق" (المناورين السياسيين) الذين يديرون البلاد كغنيمة، بل من خلال:

تشكيل أحزاب وتيارات سياسية: يشيد معلوف بالمبادرات السورية التي بدأت تتشكل (مثل "مسار") والتي تضم شخصيات وطنية تهدف لبناء دولة القانون والوعي، بعيداً عن عقد النقص والبحث عن السلطة. الانتقال من الولاء للفرد إلى الولاء للدولة: يؤكد أن الحل يكمن في إيجاد "نتوءات" سورية واعية تجبر المجتمع الدولي على احترام إرادتها، بدلاً من الركون للصمت الذي يجعل العالم يتعامل مع "وكيل أمني" واحد. مواجهة الفشل بالحقائق: يجب على السوريين كشف زيف الخطابات الاقتصادية والدبلوماسية للسلطة، والمطالبة بالانتقال الحقيقي نحو دولة المؤسسات التي تحترم معايير العلم والمنطق (مثل دراسات الجدوى الاقتصادية) بدلاً من المحسوبيات والفساد.

04.04.2026 10:45