من يحكم في هذا البلد؟ قراءة في واقع الدولة السورية وسلطة "الشرع"

يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً وشاملاً للرؤى والأفكار التي طرحها رئيس التحرير نضال معلوف في تسجيله الأخير، والذي تناول فيه القضايا الراهنة التي تعصف بالواقع السوري، مسلطاً الضوء على هشاشة الاستقرار الحالي، وفشل المؤسسات، والتحولات السياسية الدولية تجاه السلطة القائمة.

مخاض التغيير وحقل الألغام

يؤكد نضال معلوف أن سوريا تعيش "فترة مخاض طويلة" بدأت قبل سقوط النظام السابق ومستمرة حتى اليوم. ويرى أن التغيير قادم لا محالة، لكن التحدي يكمن في الوصول إليه بأقل التكاليف وبأقصر الطرق، وهو أمر يقع عاتقه الأكبر على السلطة الحالية المتحكمة في الأمور. يصف معلوف المشهد السوري الحالي بأنه "حقل ألغام" تحولت فيه حياة المواطنين إلى حالة من القلق الدائم نتيجة عدم وجود رؤية نهائية أو استقرار حقيقي.

 

قضية "بتول": جريمة إعلامية في غياب الدولة

توقف معلوف مطولاً عند قضية الفتاة "بتول"، وتحديداً ما وُصف بـ "مسرحية الفجر" أو البث المباشر الذي جرى معها، معتبراً إياه جريمة مكتملة الأركان من الناحية الأخلاقية والمهنية.

الانتهاكات المهنية والإنسانية في "استجواب" بتول

وجه الانتهاك

التفاصيل كما وردت في التحليل

التوقيت والظروف

إحضار فتاة في الساعة الثانية فجراً واستجوابها تحت ضغط نفسي هائل.

دور الإعلام

تحول الإعلاميين إلى "ذراع للسلطة" ووسيلة ضغط على الضحية بدلاً من نقل الحقيقة.

المعايير المهنيه

غياب "الصحافة الحساسة"؛ حيث تم انتهاك مبادئ الخصوصية، الكرامة، وعدم إلحاق الضرر.

المشهد العام

فتاة وحيدة في مواجهة عشرات الكاميرات والموبايلات وأشخاص قُدموا كـ "وجهاء" لانتزاع إجابات محددة.

 

 

يرى معلوف أن بتول "ضحية" في كل السيناريوهات؛ سواء كانت مختطفة أو واقعة تحت ضغط أهلها، وأن هذا التسجيل لم يكن لطمأنة السوريين، بل كان "سلاحاً" وضعته السلطة في يد جمهورها لمواجهة الجمهور المقابل في معركة الاستقطاب الحاد.

هشاشة الاستقرار ووهم الدولة

يطرح معلوف سؤالاً مركزياً: "من يحكم في هذا البلد؟"، مشيراً إلى أن قضية بحجم قضية بتول، التي كادت أن تشعل فتيل "حرب أهلية"، تم التعامل معها باستخفاف شديد وغياب تام للكفاءة.

غياب المؤسسات: يرى معلوف أن رد الفعل على القضية أثبت عدم وجود "دولة حقيقية" أو سلطة انتقالية تمتلك قراراً مدروساً، بل هناك غياب تام لآليات التعامل مع الملفات الحساسة التي تتعلق بالأمن القومي والسلم الأهلي. وهم الاستقرار: ما يعيشه السوريون اليوم هو "استقرار هش ووهمي". إن قدرة حادثة فردية على تهديد استقرار بلد بأكمله تعني أن المؤسسات (قضاء، برلمان، نقابات) غائبة تماماً، وأن السلطة تحكم بأسلوب "العصابة".

التعديل الوزاري: دليل "الإفلاس" السياسي

حلل نضال معلوف التعديلات الوزارية الأخيرة التي أجرتها سلطة "الشرع"، معتبراً إياها "تعديلات هزيلة" تعكس حالة من العزلة والإفلاس.

الفشل في بناء التحالفات: التعديل لم يشمل أي قوى سياسية أو مكونات أخرى (مثل الإدارة الذاتية أو غيرها)، مما يدل على عدم قدرة إدارة الشرع على بناء تحالفات حقيقية. خيار "الاحتياط": وصف معلوف الوزراء الجدد بأنهم "لاعبي احتياط" تم اللجوء إليهم بعد فقدان الكفاءات الأساسية، معتبراً تعيين "زعرور" في وزارة الاعلام بدلاً من "حمزة مصطفى" قراراً اضطرارياً نابعاً من انعدام الخيارات. العزلة اللونية: إعادة صبغ السلطة بلون واحد يزيد من عزلتها الدولية والإقليمية، وهو عكس ما تحتاجه سلطة تعيش أزمة شرعية وكفاءة.

 

التحركات الدولية: احتواء لا دعم

في قراءته لزيارة الوفد الإماراتي وتصريحات "الشيباني" من بروكسل حول تفعيل الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، يرى معلوف أن هذه التحركات ليست دعماً سياسياً لسلطة الشرع، بل هي "عملية احتواء".

الاتحاد الأوروبي: يسعى للدخول كشريك لترتيب "البيت الداخلي" السوري بناءً على معايير صارمة تتعلق بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي وبناء المؤسسات. تصريحات الشيباني في أوروبا بأن "لا أقليات في سوريا" هي التزامات سيتم محاسبته عليها دولياً. الدور الإماراتي: محاولة لإعادة هندسة الواقع السوري وخلق بيئة استقرار تقلل من الخسائر في حال حدوث تغييرات غير متوقعة.

 

الكفاءة المفقودة: "مراهقون يعبثون في قصور الدولة"

يشن معلوف هجوماً حاداً على مستوى الكفاءة في الإدارة الحالية، واصفاً المسؤولين بـ "المراهقين الجهلة" الذين لا يملكون أدنى إلمام بأسس الحوكمة أو الإدارة.

نموذج إدلب الفاشل: يرى معلوف أن محاولة تطبيق "وصفة إدلب" في إدارة دولة كاملة هي وصفة للموت والدمار، فإدارة الدولة تختلف جذرياً عن إدارة فصيل أو منطقة محصورة. انعدام الخبرة: يشير إلى أن رئيس الدولة نفسه (أحمد الشرع) يفتقر إلى الأسس الأكاديمية والخبرة العملية لممارسة مهامه، وكذلك الحال بالنسبة للعديد من الوزراء والمسؤولين الذين "يفجعون بالسلطة والمظاهر".

 

الرؤية المستقبلية: الفيدرالية والحل التوافقي

في ختام تحليله، يطرح معلوف تصورات للحل والنجاة من الانفجار القادم:

حتمية المشاركة: لا يمكن لأي دكتاتور أو فرد (سواء كان الجولاني أو الشرع) أن يحكم سوريا واحدة موحدة بالفرض والقوة بعد كل ما جرى. الفيدرالية كخيار واقعي: يرى معلوف أن الفيدرالية قد تكون الحل الأمثل لبناء الثقة بين المكونات، شريطة أن تكون ضمن عقد اجتماعي ودستور يضمن وحدة البلاد ولا يؤدي إلى تفتيتها. العدالة الانتقالية: لن يستقر الوضع دون اعتراف السلطة بانتهاكاتها (مثل قضايا الاختطاف ) ومحاسبة المسؤولين عنها بدلاً من التستر عليهم.

13.05.2026 11:08